بقلم: ا.د محمود داود الربيعي
جامعة المستقبل – كلية التربية البدنية وعلوم الرياضة
تعاني المرأة الرياضية العراقية من العديد من المعوقات والمشكلات التي تعترض طريقها من أجل العودة الكاملة إلى ممارسة الرياضة، وما زالت هناك بقايا أفكار تنظر إلى المرأة الرياضية نظرة غير إيجابية، وهذا ما يدفع البعض ليس فقط للوقوف في وجه المرأة الرياضية، بل إلى منعها بالقوة من ممارسة الرياضة.
إن الرياضة النسوية العراقية تشكو من معوقات عديدة تحدّ من انطلاقتها، من بينها عدم الاهتمام بالقاعدة الأساسية وفسح المجال لأكبر عدد ممكن من النساء أو الفتيات لممارسة الرياضة، فضلًا عن غياب الدور الفاعل للاتحادات النسوية والمدارس والمعاهد، وعدم الاهتمام بهذا الجانب من الأساس. إضافة إلى ذلك، فإن واقع الرياضة النسوية غير مشجّع، ولم تجد المرأة أي تشجيع حقيقي على ممارسة الرياضة، لذا وجب أن تكون هناك مدارس رياضية نسوية لبناء قاعدة صحيحة لمختلف الفئات العمرية، حتى نتمكن من الوصول إلى المستويات التي وصلت إليها دول العالم الأخرى.
إن الرياضة شيء أساسي في حياتنا اليومية، ولا يوجد فرق بين النساء والرجال، لكن مع الأسف الشديد يختلف الوضع تمامًا لدينا، إذ لا توجد أي اهتمامات بالرياضة النسوية من أي جهة كانت، لذلك بدأت تنحسر تدريجيًا. فهي تحتاج إلى وعي، وإلى برنامج متكامل لكي ترتقي إلى مستوى يؤهلها لأخذ موقعها المناسب، بانطلاقة تضعنا على الطريق القويم نحو رياضة نسوية متطورة تليق بنسائنا، بعيدًا عن الهموم وما يحيط بها من مشكلات وصعوبات.

وإدراكًا منا لاحتمال سوء تأويل معنى التطور في هذا القطاع الرياضي، فإن هذا التطور سيضيف زخمًا قويًا نحو صياغة قرارات ومقترحات ومشاريع وأفكار بنّاءة، بكل واقعيتها وفعاليتها، تصب في معرفة أسباب عزوف المرأة العراقية عن ممارسة النشاطات الرياضية، ووضع الحلول المناسبة لهذا العزوف، وتوسيع دائرة المشاركة، والوقوف إلى جانب المرأة من أجل تجاوز الجوانب السلبية المؤثرة في تخلف الرياضة النسوية، والعمل بشكل جماعي، ولا سيما في وزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية العراقية، كونها المؤسسات المسؤولة عن تطوير الرياضة عمومًا، وبالتعاون مع الجهات ذات العلاقة.
ولا بد من احترام خصوصية المرأة العراقية في ممارسة الرياضة، من خلال توفير أماكن لا يمكن للمرأة أن تظهر فيها علنًا، وذلك عبر أندية نسوية خاصة تُدار من قبل مدربات متخصصات، مع التأكيد على الجانب الشمولي للرياضة النسوية، وتوفير الأجواء الملائمة لها. فإننا نطمح إلى ممارسة حق الرياضة للجميع، بما تعنيه من ترويح عن النفس، والحفاظ على اللياقة البدنية والرشاقة، التي تُعد من ضروريات المرأة في عصرنا الراهن.
ولا بد لنا أن نؤكد على الرياضة كوسيلة من وسائل مواجهة العنف الذي استشرى نتيجة الظروف المعروفة، ليس من خلال القوة البدنية، وإنما من خلال ما تعنيه مفاهيم الرياضة من أُلفة ومحبة وصداقة وسلام. وبذلك نعمل على تماسك المجتمع ونبذ حالات الكراهية والعدوانية والانتقام، فالرياضة رسالة محبة وسلام. كما نسعى إلى دعوة جميع الجهات الأخرى للمساهمة في بناء رياضة نسوية متطورة تحقق للمرأة طموحها، من خلال تحقيق الوعي المطلوب، وتشجيع المرأة، وتأكيد دورها بعيدًا عن التحجيم والتهميش، والعمل على تهيئة جميع المستلزمات والبنى التحتية بما يساعد على تحقيق رياضة نسوية متطورة تليق بنسائنا.
وهناك هيئات تحت مسميات متعددة تُعنى بشؤون المرأة، فبعض الدول أنشأت اتحادًا يُعنى برياضة المرأة، إضافة إلى روابط المرأة الرياضية في العديد من الدول، في حين اهتمت دول أخرى بتطوير رياضة المرأة من خلال اتحادات الألعاب المختلفة. إلا أن واقع الرياضة النسوية العراقية بحاجة إلى إعادة ترتيب، بحيث تتلقى الدعم الكافي من الجميع لإثبات حضورها في المحافل الدولية، وليس فقط عبر الألعاب الفردية، بل الجماعية أيضًا.
إن الرياضة النسوية العراقية تعاني من إهمال كبير، بسبب يأس القائمين عليها من تشكيل فرق متطورة نتيجة اصطدامهم بالبيئة الاجتماعية، وغياب القدرة على المنافسة عند مواجهة فرق دول محترفة ومعتنى بها، مما يهدد باختفائها، فضلًا عن الفساد المالي والإداري في معظم المؤسسات واللجان النسوية في الاتحادات الرياضية العراقية. فهناك مسؤولون يزجّون بلاعبات في الأندية النسوية من معارفهم وأقربائهم عبر الغش والتزوير، لدرجة إدخال نساء غير رياضيات في بطولات الفئات العمرية، بهدف توفير فرص للسفر بحجة المشاركة في البطولات الخارجية. كما أن العقود الموقّعة من قبل الأندية مع اللاعبات غير منصفة، ولا تُمنح اللاعبات مستحقاتهن المالية بشكل منتظم، فضلًا عن أن المسؤولين في الأندية يصرفون الأموال على البطولات دون اهتمام كافٍ بالتدريب والتأهيل المتواصلين.
إن الاهتمام باللاعبات الرياضيات وإدخالهن في أكثر من دورة تدريبية، وإشراكهن في البطولات، أمر في غاية الأهمية. فالرياضة النسوية يجب أن تحظى باهتمام كبير من خلال الدورات التطويرية والتحكيمية، لكن المرأة العراقية ما زالت مظلومة ولا تجد التشجيع الكافي، لدرجة أن هناك من يرى أن كرة القدم النسوية محرّمة. كما أن معظم المؤسسات الرياضية العراقية تفتقر إلى البنى التحتية من قاعات رياضية وتجهيزات، فضلًا عن صعوبة الحصول على الموافقات لحجز القاعات، وغياب دعم الاتحادات للاعبات عبر تنظيم المنافسات ودعم الفرق النسوية. إذ لا يوجد نادٍ يتحمل مسؤولية فريق نسوي من حيث التدريب والنقل ورواتب الجهاز الفني، في ظل غياب المردود المادي من بيع التذاكر، مما أدى إلى عدم وجود رياضة نسوية ناجحة، وإلى غياب نساء قادرات على الارتقاء إلى مستوى الرياضيات الماهرات، إضافة إلى تأثرهن بالظروف الاجتماعية التي لا تسمح بمشاركة النساء، فضلًا عن ضعف اهتمام الجهات المعنية بهذا الجانب، مما يحول دون قدرة النساء العراقيات على منافسة نساء الدول الأخرى التي تمتلك إمكانات رياضية متقدمة.

إن الرياضة النسوية العراقية تمر بمنعطفات مختلفة؛ فبينما نجحت في بعض الفترات نتيجة الانفتاح الاجتماعي والاهتمام والدعم المعنوي وتوفير الفرص المناسبة والتشجيع لتحقيق الإنجازات، إلا أن هناك أمورًا عطّلت مسيرة الإنجاز وأصابت جسد الرياضة النسوية في صميمه، ثم انعدمت الإنجازات بسبب قلة الدعم وغياب فرص المشاركة. ويضاف إلى ذلك عدم وجود رؤية شاملة تُشخّص الخلل وتضع خارطة طريق وبرنامجًا عمليًا مناسبًا لرأب التصدعات التي تعاني منها الرياضة النسوية، والتي يفترض أن يبدأ الاهتمام بها من المدارس والمعاهد والجامعات، مرورًا بتنشيط منتديات الشباب، وصولًا إلى الأندية.
ولأجل تجاوز معظم المعوقات التي تواجه الرياضة النسوية العراقية، نقترح الآتي:
- التنسيق مع الجهات ذات العلاقة بالرياضة، بضرورة تخصيص ملاعب وساحات للفرق الرياضية النسوية، ومواصلة الاهتمام بها.
- العمل على أن تكون الأندية الرياضية والمدارس والجامعات فضاءات رحبة لتنظيم الفعاليات الرياضية النسوية، بإشراف ملاكات متخصصة، وفق خطط مدروسة، ودعمها.
- التوسع في إقامة المهرجانات والسباقات الرياضية النسوية، واستنفار وسائل الإعلام للتعريف بها، والعمل على تطوير أساليب تقديمها بما يتماشى مع طبيعة وظروف النساء.
- التأكيد على أن المشاركة في الفرق الرياضية النسوية عملية تربوية بأبعادها المختلفة، مما يستوجب تنمية الوعي بأهميتها وضرورتها للنساء بشكل خاص، وللمجتمع بشكل عام.
- الاهتمام بالرياضة النسوية في مراحل التعليم المختلفة، لقدرتها على الإسهام في تحقيق العديد من الأهداف التربوية والاجتماعية والأخلاقية والصحية والجمالية، وزيادة الكفاءة في تحمّل الأعباء الدراسية وفهمها.
- العمل على تعزيز الروابط مع عائلات المشاركات في الفرق الرياضية النسوية، ودعوتهم لمشاهدة الأنشطة الرياضية، وضمان ديمومة العلاقة لدعم هذا التوجه.










