ما أعذب البحر (أقصوصة)

مقالات
8.7K
0



بقلم : فاطمة بلهوشات

“اييه ما أعذب رائحة البحر ” ..

أيقظتها كلمة “البحر” حين اخترقت مسمعها وقد سرقتها اغفاءة من حر الضحى وتعب المسافة … انتفضت وسارعت إلى سحب زجاج النافذة الملتصق بخدها طول السفرة . ألقت برأسها من خلاله وراحت تعب الزرقة المترامية أمام عينيها عبا . ” هو ذا البحر اذن ؟ أخيراً ترى البحر …بحر حقيقي. …

البحر رأته مرارا بالتلفاز أو الصحف والمجلات …البحرقرات عنه قصص ومقالات طويلة كتبت عنه ايضا وصفت زرقته التي تثير غيرة السماء , امواجه الموشوشة للرمال او المتكسرة على الصخور , درست خصائصه , نسبة ملوحته وانواع الاسماك التي يحويها جوفه …سمعت قصصا غريبة عن الاف الجثث التي يرمي بها على شواطئه بعد ان عبث بمراكب الموت الفارة اليه من بين قضبان الفقر … احتضنته في سباتها , شيدت فوقه قصور امانيها وسابقت على رماله فارس احلامها المغوار..




هو ذا البحر اذن …انه اجمل الف مرة من ما شاهدت بالتلفاز او قرات او سمعت …

فتاة الرابعة عشر لم ترى البحر الحقيقي في حياتها . فتاة الريف القادمة من غرب البلاد لاول مرة في اتجاه الساحل لم تغادر قريتها يوما . هي لا تعرف من العالم الا منزلها , مدرستها , اعداديتها , عائلتها , جيرانها , تنهيدة قلبها الصغير عند اطلالة بطل مسلسلها اليومي , اخبار البلاد , شجيرات الزيتون التي تاخذ من عمر والدها كل يوم ساعة ونار التنور التي كست وجه امها مسحة في لون بن قهوة المساء.

حين اقتربت سيارة الاجرة من “الكرنيش” لمحت عشرات من الاجساد البيضاء التي كستها حمرة زادتها اشعة الشمس لمعانا .اطفال يسبحون او يتقاذفون بالماء في صخب . شباب في وسامة ابطال مسلسلاتها يعانقون حبيباتهم ويهمسون لهن بكلام ترتفع معه ضحكاتهم… احست قشعريرة تسري في كامل جسدها المثقل بافضل ماامكنها ان تضع من الملابس . كم ودت لو طلبت من السائق ايقاف السيارة وجرت نحو الشاطئ رامية مع كل خطوة قطعة من ملابسها . حذاء رفيقتها ذو الكعب العال الذي اطبق على اصبع رجلها وجعلها تسير كالعرجاء , سروال العيد الجينز الازرق , قميص اختها الكبرى الاحمر الفضفاض واخيرا ذالك الوشاح المقيت الذي حجب شعرها الاشقر الطويل . كم ودت لو تمرغت على الرمل لو عانقت امواج البحر لوتمددت تحت اشعت الشمس لتحرق مالم يغطيه تبانها وصدريتها من ذلك الجسد الابيض المنحوت كدمية عرض …كم ودت ان تعب من ماء البحر الحقيقي ان تختنق به , ان تغرق ويرمي بجثتها بعيدا عن هنا . ان تحكي عنها الصحف وتتناقل الفضائيات وصفحات التواصل صور ذلك الجسد الابيض الذي تكسوه حمرة الشمس ممدد فوق الرمل الذهبي في “سلفي”مع شاب في وسامة بطل مسلسلها اليومي.

صبية الرابعة عشر افاقت من حلمها حين انعطفت سيارة الاجرة مولية ظهرها الزرقة وقد ابتلعتها الازقة الضيقة والوجوه الكادحة . توقفت اخيرا في المحطة .فتح الباب ونزلت صبيتنا وجرى نحوها شاب عانقته في سرعة ثم ساعدها في عناء كبير على انزال والدتهما المريضة التي امر الطبيب بادخالها المستشفى وقد هدها السقم . وضعاها على الرصيف تحت احدى الشجيرات القليلة العدد . احضر حقيبتها . وجرى الى طرف الشارع في محاولة لايقاف سيارة اجرة. .

وضعت رأس والدتها على صدرها الصغير . ضمتهه بكل قوتها.. حمته من أشعة الشمس بجزء من وشاحها وراحت تحملق في الاتجاه الذي جاءت منه سيارة الأجرة علها تلمح من بين الأجسام المتسارعة والبنايات الملساء بعضا من زرقة بحرها أو نسيما برائحة أحلامها. ..

انتهت ..






تعليقات الفيسبوك