حول صنّاع الأدب المُعاصر

مقالات
20.6K
0



بقلم : الكاتبة شوق السماعيل

لصناعة الأدب معاييرٌ عديدة وقوائمٌ لا ينهض الأدب من دونها ؛ ماهي متطلباتها ؟ وماهي دعاماتها ؟ وماذا يشتحن إليه صانع الأدب ؟ وما الذي لن يُضفي له قِيماً أدبية أو مهنية ؟

إن صناعة الأدب حِرفة ترتكز على مجموعة من الزعامات التي دونها لا يمكن أن يكون صانع الأدب نابغاً أو محنكاً أو حتى يبلغ التمكين في فنّه ويصبو إلى الولوج لعقليات الناس ومشاعرهم ، حيثُ أن مساس المشاعر هو الركيزة الأولى لنجاح النص الأدبي وإرتقاءه في بواسق الأدب والثقافة ، وأن نجاحه معتمد على حساسيته ، ومقدار القرّاء الذين تأثروا بشدّة من بلاغته ووفرة معانيه ، حيث أن صناعة الأدب تتطلب أن يتمتع الأديب بالموهبة التي تؤهله للنباغة ؛ وأن يمتاز بعمله الأدبي المقدّم ونسجه لـ الفنٌ الراقي الأصيل ، والأدب الذي يُوزن بثِقال الموازين ، والنصوص التي تخلّد في ذاكرة الإنسان أو الزمان بحاجة إلى حدسٍ عالٍ ومقدرة عالية على إرتياد أجلّ الألفاظ وأشدّ المفردات وقعاً على قلب القارئ أو المستمع ، مما يُصيب جموده القلبي في مقتل ، ويُحرّك عاطفته ، ويخلقُ أقطاباً فكرية بوسعها تغيير الفرد أو المجتمع أو حتى تهذيب إنسانٍ تجاه مبدأ ما أو فكرة معيّنة .

وذلك يتطلب مهارةً في النسج وحذاقةً في تركيب الجمل وترابطها وتأويلها ، وليس لكاتبٍ أن يبلغ ذلك من دون منطقٍ أدبي أو حتى التأسّي بالأدباء الأكفّاء .

إذاً هل التشرّب من ذوو الخبرة كافٍ ؟ أو الشهادة الأكاديمية الأدبية كافية بحد ذاتها ؟

في الحقيقة حتى نتائج التحصيل المرتفعة في أفضل جامعات العالم تقدماً وتمدناً، لا توازي جودة وكفاءة أن يحوز الكاتب على تدريب شخصي وتمرّس متواصلٍ ليس له إنقطاع ، فضلاً عن التجربة التي لا ينكسها خوفٌ من إخفاقٍ أو تعثّر ! ، قد يمنحك ذلك الجهد المبذول كـ صناع أدب ما لا تمنحك إياه أعرق الجامعات المتخصصة بالآداب ، وأضخم المعاهد الفنية واللغوية ، وأكثر المعلمين باعاً في مجالك الأدبي المنشود ، وأكثر الدورات التدريبية دسامةً وكماً وفيراً من المعلوماتية .

فإن خلا الفن ” والأدب ” مما يصقله كـ المطالعة والتمرين الذي يصحبه إستمرارٌ ومحاولة دؤوبة والعمل بجدّ على رفع مستوى الأداء الشخصي بشتى السُبل والطرائق ، فسيمس دلك مسيرتك الأدبية النافذة ، قد لا تثري لك المحاضرات والدروس أي إضافة فعلية ، بل ومنها ما لن يُضفي لك علماً أو يُسنّ لك قلماً أو يُقيم لك إعوجاجاً ، ومنه ما يتوجب عليك أن تضفي له بدورك ما يعززّ موهبتك الفطرية ويُكسبها تألقاً لا مثيل له .




التعليم الأكاديمي لا يكفي لتصقيل الموهبة ، إنما هي بحاجة إلى تنامي من نوعٍ آخر ! وذلك ينطبق على جميع أنواع المواهب وليس على الأدب وحسب !

حيثُ أني ” بشكل شخصي ” أرى بأن الجامعات والمعاهد تصدح بالعتيق ، وتقيّد المواهب والفنون ، وتفرض القواعد التي دوماً ما يكون الخروج عنها موصوفٌ بأوصاف الفشل ، فضلاً عن عدم إبداء الحفاوة أو الأخذ بنظر الاعتبار القدرات العقلية للمتدربين والموهوبين حيث نَصب حدود مؤلمة تنتهك الإبداع وتفرض قسوتها على المواهب ، وكأن الفشل في التطبيق الأكاديمي يعني التسليم لـ الفشل مهنياً وإبداعياً وحتى ” حياتياً ” للأسف الشديد !!

إن الحياة التعليمية لا تعني بالضرورة أن يأخذ منها الإنسان نصيباً كبيراً ، وصناعة الأدب لا تتطلب شهادة بكالوريوس أو دكتوراه أو حتى دبلوما عالية ، وما بذلك على ذلك إلا كمٌ ضئيل، إن الموهبة الخلاّقة والفن الحقيقي الذي يشتحن إليه صانع الأدب ” معاصرٌ أو عتيق ” لا يتنامى إلا بالمطالعة المستمرة والمتنوعة وتجارب الأديب في هذه الحياة ، بما في ذلك أن ينغمس في تفاصيلها ويتذوّق حرارتها وعذوبتها ، وصولاً إلى تجرّع مرارتها والإطّلاع على سحيق غوائرها، إنتهاءً إلى خوض مغارها الأدبي بإنجاز حفيف يشار له بالتوقير ؛ وينال به الوَقار ويكُن له به إجلالاً رمزياً ، وحظوته على الذكر المهني والأدبي الحَسن .






تعليقات الفيسبوك