الوداع الأخير وشعلة أمل

مقالات
235
2

قلم فاطمة الكحلوت

ذهبت إلى المدرسة لطلب الإذن كي أبقى بجانب أمي سرت في الطرقات تحت أمطار غزيرة وشوارع مُكتظة بالسكان أُسارع في خطواتي كي أصل بسرعة ،لكنني وصلت متأخرة دخلت المنزل وإذ أشعر بإنقباض في دقات قلبي وقشعريرة في جسمي اقتربت من أمي وقبلت يداها ،شعرت بأن يداها باردتان قلت بصوت منخفض يداك باردتان يا أمي بدأت أفرك بيداها وأتنفس بهما كي يدفئان أعتقدت بأنها نائمة ,وبعد محاولات لم تستيقظ بدأت وكأنني أرفض تصديق ذلك الشئ الذي يخطر في بالي فبدأت أُقبلُ رأسها استيقظي أرجوكِ يا أمي لكنها لم تسمعني ماتت وتركت لي برودة هذا العالم ،لقد كان رحيلها أكبر مخاوفي ،فبعدها لم أعد أشعر بالسعادة الحقيقيه أحببتها أكثر من نفسي وتمنيت أن أصبح كما تريد …

استيقظت على صوت غريب في المنزل فقمت من فراشي وفتحت باب الغرفة لأجد والدي برفقة إمرأة كبيرة في السن يبدو أنها في الأربعين من عمرها وجهت نظري إلى والدي فقال لي هذه عمتك نيرمين ستمكث معك لحين عودتي ثم قال لها مشيرا إلي هذه ابنتي إلين كما أخبرتك عنها من قبل ابتسمت لها وجلست على الأريكة بينما كان يخبرها عن المنزل وعن الغرفة التي ستمكث بها ،كنت أفكر كيف لي أن أتقبل إمرأة غريبة ستعيش معي وكيف علي تقبل رحيل والدي فبعد عودته لي شعرت بالإطمئنان بالرغم من المسافات الكبيرة التي بيننا كما أنني بدأت أشعر بالسعادة عندما بدأ يجلس معي ويهتم لدراستي لذلك سأعاني هذه المرة رحيله لكنني سأكون قوية سأكمل دراستي وسأبدأ من جديد ،تناولنا الطعام على المائدة معا كانت العمة نيرمين هي من تضع الصحون وترتبها قلت لها سأساعدك لكنها أشارت علي أن أجلس وأرتاح بدأنا الأكل معا ،ثم أشبك أبي يداه بعضهما البعض ليبدأ الحديث فقال لنا سأسافر في الثامنة صباحا وستبقى عمتك معك سأبعث لكم المال والرسائل من وقت لآخر ،قلت له أريد الذهاب معك إلى القطار أريد أن أودعك سكت قليلا ونظر إلي ثم نظر إلى العمة نيرمين التي اومأت برأسها إلى الاسفل ثم قال سأسمح لك بذلك وسترافقك العمة نيرمين ،لقد بدأ والدي بإعطاء المسؤولية للعمة نيرمين منذ ذلك الحين .

في المساء نمت باكرا لأستيقظ على صوت زقزقة عصفور يقف عند النافذة وكانت رائحة القهوة تنبعث من المطبخ ،نهضت من فراشي وشعرت وكأنني أحلم فالأجواء الصباحية أصبحت جميلة ،قابلتني العمة نيرمين وقالت لي سنفطر معا ثم ستبدلين ملابسك لنودع والدك وبعدها سنذهب للسوق لشراء بعض الأشياء قلت لها لا أحب التسوق لكنها قالت لي لن نتأخر ،انتظرت والدي الذي كان يجلس بمكتبه ويجهز أوراقه ومستلزمات عمله لنذهب إلى محطة القطار وهناك أمسك أبي يداي وبقوة وقال لي كوني بخير كما علمتك قوية شامخة لا تنكسرين ،تستطيعين التجاوز مهما حدث معك ،قبلت جبينه ويداه وتركته والدموع تملأني بينما كان يوصي العمة علي أن تعتني بي جيدا ،ركبنا السيارة بينما هو ركب القطار أخذ كل منا يبتعد عن الآخر ،أخذت أنظر إلى الشوارع كانت الرؤيا غير واضحة بالنسبة لي فقد شعرت بالألم الشديد في صدري ،الأحزان لم ترحل كما قلت يا سيدي وليست كالقطار وليس هنالك شئ قادم سيفرحنا ،لا أعتقد بأن كلامك صحيح فأنا أرى بأن كل شئ قادم يخيفني أكثر من قبل ،إشترت العمة نيرمين ما تحتاجه من السوق وعدنا إلى المنزل بعد آن تبللنا من المطر ، وصلنا المنزل كان هنالك طرد بإسمي على الباب أخذته عن الأرض فنظرت إلي العمة باستغراب وسألتني من هو المرسل ؟ فقلت لها لا أعلم فتحته وإذ به كتب الآداب التي كنت سأشتريها للكلية ،ربما والدي من أرسلها ،لم يكن هنالك اسم المرسل لكني فتحتها وبدأت أقلب صفحاتها وأتمسك بها فهي بمثابة آخر أمل لي للعيش بسعادة في هذا العالم الواسع والبارد ،تركت العمة نيرمين تنقل الأكياس إلى المطبخ بينما دخلت غرفتي وبدأت بكتابة رسالة شكر الى والدي .

أبي لقد تركت لي آخر آمل في الحياة إنها الكتب سأتمسك بها وسأنجح وبمعدل عالٍ وسأكون بخير كما وعدتك ،تركت الرسالة على الطاولة لحين إرسالها له وذهبت إلى العمة نيرمين التي بدأت تسألني عن دراستي وأحلامي وبدأت التحدث معها ثم جلسنا على الأريكة فأخذت تمسح على رأسي وتلعب بخصلات شعري وكأنني إبنتها ،شعرت بعطفها وحنانها وحبها لقد ذكرتني بأمي ،سألتها إن كان لديها عائلة أم لا لكنها أخبرتني أنها فقدتهم في الحرب وكانت الوحيدة ممن نجت من بينهم فأخذت تعمل في البيوت لتحصل على المأوى ولقمة عيشها لقد كنت أستمع إليها بإنصات وهي تخبرني عن حياتها استوقفتها بكلامي كيف تقومين بعملك بكل هذه السعادة بالرغم من الحزن الذي مررت به فقالت لي حينها وهي تبتسم إبتسامة عريضة نحن نعيش كل يوم بنعم لا نستطيع إحصائها وعلينا أن نكون سعيدين فدائما هنالك شئ جميل يستحق أن ننتظره ،ابتسمت لها وأكملت تفكيري بكلماتها التي تشبه كلمات ذلك الرجل الذي لا أعرفه وهي أن هنالك شئ جميل لا بد أنه سيأتي إلينا يومآ ما ،بقيت تداعب خصلات شعري بينما سألتها هل سألتقي يوما ما بشخص لا أعرفه لكنه يعيش بداخلي ،سكتت قليلا وقالت لي ما دام أنه يعيش بداخلك إذن لا بد أنكما ستلتقيان ،ابتسمت من قلبي وتذكرته رغم أنني لم أعرفه إلا قليلا لكنه ترك لي الكثير في داخلي ،وكأنها حياة جديدة على أمل أن نلتقي يوما تحت المطر في ذلك الشارع فأنا ما زلت أتذكر رسالة تلقيتها منه كان قد كتب لي عزيزتي في ذلك اليوم الماطر حين رأيتك لأول مرة رغم ما تعانية من حساسية من الدخان المتصاعد من سجائري إلا أن عيونك كانت تطفئ برودة العالم في داخلي .

لم أعلم يا سيدي أنك كنت تختلس النظر بينما كنت غارقة في التفكير بك وبسجائرك التي تعانقها وكأنها أغلى ما تملك لكنني أريد رؤيتك أريد أن أعرف شكلك ومن تكون ،فأنا لم أنسى المرات التي رأيتك فيها ،أتذكر حين رأيتك داخل المقهى إزدادت دقات قلبي خفقانا مع كل خطوة أخطوها لكن النادل أوقفني لأجلس على المقعد الثاني فأمسكت كتابا وبدأت بقراءته شعرت بك عندما إقتربت مني لتترك رسالتك وترحل ،لم استطع أن أضع عيناي بك فقد تجمدت بمكاني من التوتر ،فتحت الرسالة بعد أن تأكدت من ذهابك ،كتبت لي الكثير من السطور التي لم أستطع أن أقرأها دون بكاء لكنني مسحت دموعي بسرعة فأنت تريد مني أن أكون فتاة قوية لا تنكسر تقدم العطاء بكل فرح وسعادة ،قلت لي ستكون موجودا حينما أحتاجك وأنا أحلم باليوم الذي نلتقي به .


  

كاتبة وباحثة اجتماعية -الأردن


شاهدي أيضاً :



تعليقات الفيسبوك