النميمة داء خبيث.. والنمّام إناء ينضح بما فيه


  النميمة داء خبيث.. والنمّام إناء ينضح بما فيه

النميمة ظاهرة اجتماعية لازمت الإنسان في كل زمان ومكان، وفي مختلف القطاعات والميادين، حتى أصبحت ثقافة سلبية في المضمون والأبعاد والأهداف، فهدمت عوائل وفرّقت أحبّة، وأساءت إلى أعراض الناس وشرفهم، وقطّعت صلات الأرحام.فلماذا أصبحت النميمة أسلوبًا تواصليّاً فرض نفسه كالداء الخبيث الذي يصعب مقاومته؟ وماذا يقول علم النفس في النمّام وأسباب النميمة. 

تعريف علم النفس بالنميمة وهدفها

هي آفة من آفات اللسان، تقوم على تبادل المعلومات السلبيّة بين طرفين أو أكثر عن حياة أشخاص غير موجودين، وكشف ما لا يجب كشفه، وإفشاء أسرار الغير، إو إطلاق شائعة عنهم.

أما الهدف منها فهو تشويه سمعة الغير بهدف أذيّته أو النيل من مكانته أو التشويش على حياته لبلبته وإضعافه، التفريق بين الناس،خصوصاً بين الأحبّة، إيقاد الأحقاد والعداوة بين الناس، مسايرة الموجودين ومجاملتهم للتقرّب بغية تحقيق المصالح والمكاسب الشخصية، التعدّي على حقوق الغير الإنسانيّة بصور وأنماط مختلفة، التنفيس عن الحقد والحسد اللذَين يعتمران في نفس النمّام.

النميمة تمنحه الفرح.. وهذا الفرح ينمّ عن مشاكل نفسية لديه

يشعر النمّام بالفرح والاستمتاع لأن النميمة تمنح المشترك فيها الشعور الآني بالسيطرة على الآخر والتحكم به، وينفّس عن أحقاده وغيرته وحسده فيشعر بالراحة.

أما من ناحية المشاكل النفسية التي يعاني منها ، ففي البداية هو إنسان يفتقد للثقة بنفسه والاحترام لذاته، لا يملك من المستوى الفكري والثقافي والخلقي والروحي ما يجعل منه إنساناً مهمّاً، حاقد على كلّ من يفوقه مكانة، ومن حقّق نفسه وأحلامه، غيور بامتياز. لذلك عندما يبدأ بإطلاق الأخبار السيّئة ضدّ الغير، يكون يحاول بذلك تلميع صورته الذاتية وإظهار الإيجابيّات في شخصيّته ونفسيّته ليكسب احترام الآخرين ومحبّتهم وتقديرهم له وثقتهم فيه.

النمام يعبّر عن نفسه دون أن ينتبه .. أي “الإناء ينضح بما فيه”

من جهة أخرى يعاني النمّام حرمانات مختلفة في مجال واحد أو عدّة مجالات، لذلك يتولّد في داخله الغضب على ذاته وعلى الآخرين، فيحاول التنفيس عن هذا الغضب الممزوج بالغيرة والحسد، فيكون بالتالي يعبّر عن نفسه دون أن ينتبه أو يدري. وهذا يعني أنه ينتقد نفسه أو ما يرفضه في نفسه وشخصيته.من هنا يقول علم النفس بأن النميمة هي وسيلة يعتمدها النمّام ليُخرج من داخله ما يرفضه ما لا يتقبّله أو ما يرفض الاعتراف به. وهذا ما ينطبق عليه القول المأثور “الإناء ينضح بما فيه”. في هذا الشأن لا يدرك أو لا يتنبّه إلى أن سلوكه يزيد من قلّة احترام الآخرين له ويدفعهم إلى السخرية منه والابتعاد عنه وتجاهله. ان الحطّ من شأن الآخرين، دليل واضح على أن النمّام عاجز عن الوصول إلى مستوى مكانة مَن يلوكه لسانه، فتكون النميمة هنا بمثابة التعويض.

النمّام كاذب وحقود

من جهة أخرى يُعتبر النمام إنساناً عاجزاً عن العيش في عالمه فبينسلخ عنه ويعيش في عالم الآخرين، أو يحاول دكّ أسس عالم الآخرين، كاذب، حقود لأن بإمكان النميمة أن تؤدّي إلى تدمير الآخر بشكل موقّت أو دائم، تتّسم سمات شخصيته بالجبن والعجز عن المواجهة، يفتقد للشجاعة والمجاهرة برأيه، لا يقيم وزناً لمفاهيم الحق والعدل. من هنا القول بأن النمّام شرير يحب الأذى، لا مشكلة له مع الغدر والخيانة سواء للأفراد أو للأسرار. وهو ذو وجهين وبارع في ارتداء الأقنعة، يتلوّن بحسب الموقف الذي يريده.

النمّام انسان دائي

نعم، إنه عدو نفسه في الدرجة الأولى وعدو الاخرين في الدرجة الثانية. وهذا ما يجعله يعيش صراعات نفسية تحوّله إلى العدوانية فتعتل نفسه وشخصيته. ومن المعروف والثابت علميّاً أن العدائيّة لا بد من أن تجد لها متنفّساً، لذلك تكون النميمة واحدة من مجالات تنفيس العدائيّة وتصريفها.

أين تكثر النميمة؟ في أية مهن؟

في كل المهن والمجالس والمستويات الاجتماعية والثقافية، بين السياسيّين والفنانين والعلماء، وبين الجيران وزملاء العمل، إلى ما هنالك. وهذا يعني أن النميمة تجد مسرحاً رحباً لها عندما نجد فريقَين واحدهما ضعيف والآخر قوي، طرف ناجح والآخر فاشل، فريق متوازن نفسيّاً وفريق آخر مضطرب.

مواجهة النمّام

طرق مواجهة النمّام:

ـ الطريقة المباشرة، وتكون بسدّ الطريق أمامه لئلا يسترسل في كلامه، وذلك بإخباره بضرورة العمل على تهذيب سلوك الشخص الذي تُنقل الأخبار عن لسانه، لذلك من الأفضل سماع الحديث من صاحبه. كما يمكن أيضاً القول بأن المتكلّم أخطأ عندما لم يواجه صاحب العلاقة بشكل مباشر بدلاً من إعطاء الرأي به وهو غائب، لذلك من الضروريّ الاتّصال به لمعرفة الحقيقة منه، أو معرفة الأسباب التي دفعته إلى إطلاق الأخبار الكاذبة.

ـ الطريقة غير المباشرة ،وهي عدم الاسترسال مع النمّام في كذبه وافتراءاته على الآخرين لأن من مهمات النمام استدراج الآخرين في الكلام ونقل الأخبار عنهم بغية الإيقاع بين الناس.

ـ الطلب إلى النمّام عدم نسيان الصفات الحسنة والإيجابية عن الشخص الذى ينتقده كي يتحول الحديث من النميمة إلى المديح.

كيف يمكن تجنب الوقوع ضحيّة النميمة؟

ـ عدم الخوض بأي حديث سلبي عن طرف ثالث غير موجود.

ـ التأكد من صحة المعلومات التي نسمعها.

ـ محاولة إيقاف المتحدّث عن الآخرين بسلبيّة عن الاسترسال بكلامه إنّما بأدب ومحبّة.

ـ محاولة تغيير الأحاديث السلبية واستبدالها بأخبار أكثر أهمية، لأن السامع يكره الغيبة. وهذا ما يُعتبر رسالة مبطّنة تجعل النمّام يفهم أنه أخطأ.

ـ عدم الإجابة على أي سؤال يطرحه النمام لئلا يفسح له السامع في المجال أمام نصب أي فخ له.

ـ عدم الخوض بأي نميمة والاسترسال بالكلام عن الآخرين، لئلاّ يصبح السامع نمّامًا هو الآخر.

ممكن علاج النمّام من معضلته

طبعًا، فهو يحتاج إلى استعادة ثقته بنفسه واحترامه لها، وإيجاد الاهتمامات التي يمكن لها أن تساعده في تحقيق النجاح الذي يتطلّب تفعيل الإمكانيّات الذهنية والفكرية والطاقات الفردية، ما من شانه أن يساعد النمّام على معرفة قدراته واكتشاف الإيجابيّات فيها. وهذا يعني تحقيق الانسجام مع الذات للتوصّل إلى عيشه مع الآخرين. كما يقوم العلاج على تحويل التفكير من السلبيّة إلى الإيجابية فيتعلّم الإضاءة على حسنات الآخرين وتقدير ما يبذلونه من جهد من أجل تحقيق ذواتهم، فيكون بالتالي يأخذ من مسيرة حياتهم العِبَر والدروس المناسبة بدلاً من انتقادهم والطعن والتجريج بهم.

 


شاهدي أيضاً :



تعليقات الفيسبوك