الصحراء والنفط والمرأة التيمات الكبرى للرويات السعودية

منوعات
337
0


الصحراء والنفط والمرأة التيمات الكبرى للرويات السعودية

يتوفّر المنجز الروائي السعودي على ميزات فنية وشكلية ومضمونية تتعاضد بحميمية فيما بينها لتنهض
جميعا بجماليات السرد، وتزيد من حركة التخييل فيه، وتقوّي فيه انتماءه إلى هندسة جغرافية ذات مراجع
تاريخية وثقافية فريدة. وهو ما نراه قد ساعد الرواية السعودية على أن تتبوّأ صدارة المشهد الروائي
العربيّ الراهن، سواء بفضل وفرة إصداراتها أو بكثرة الاهتمام النقديّ بها، أو بحصولها على أرقى الجوائز

الأدبية العربية والعالمية.


لقد بدا لنا في أغلب الدراسات النقدية التي اهتمّت بالسرد الروائي السعودي، على غرار ما كتب فيصل
دراج وصبري حافظ ومريم خلفان وميرال الطحاوي وغيرهم، ميلها إلى تأكيد فكرة أنّ “قوّة” المرجع الواقعيّ،
في تجلّياته الماديّة والتاريخيّة والثقافية، هي التي ساعدت على تنامي الكتابة الروائية وأغنتها بوفير
الصور التخييلية، بل ومكّنتها من خزين خامّ من المحكيّات ظلّ الروائي السعودي يمتح منه سياقات
مسروداته وهيئات شخوصه.

وتذهب تلك الدراسات إلى القول بأنّ الصحراء، وحضور المقدّس الإسلاميّ ممثلا في مكّة، وظهور النفط،
والرغبة الشبابية في الانفتاح على الغرب، وحال المرأة ضمن منظومة القيم العرفية، تمثّل التيمات
الكبرى التي اتكأ عليها السرد الروائي السعودي وهو يبني شعريته.

فالصحراء، على حدّ ما يرى صبري حافظ، ظلّت من جهة حضورها الإبداعي حبيسة القصيدة العربية زمنا
طويلا، ولكننا نُلفيها مع عبد الرحمن منيف (1933 – 2004) في رواية “التيه” من خماسيته “مدن الملح”
تتحوّل إلى ثروة حكائيّة، وهي ثروة لا تقل أهمية عن ثروة النفط فيها.

حيث يعيد عبد الرحمن منيف بناء عالم الصحراء بناء جديدا يزاوج فيه بين التخييل والواقع، فتظهر
الصحراء فضاء سرديا تتواجه فيه مجموعة من الثنائيات منها ثنائية قيم البداوة، ممثلة في سكانها،
وقيم المدنية التي جاءت بها فورة النفط، وكذلك ثنائية شظف العيش والحلم بالغنى، وثنائية المحلّي
والوافد. وعلى وقع هذه المواجهات تتكشّف للقارئ جمالية الصحراء في ترحّل قوافلها ووعورة ثناياها
واكتنازها بقيم البداوة.

ولعلّ في هذا ما حفز الرواية السعودية لتسعى في صحرائها باحثة عن مقوّمات ذاتها الحضارية، وعمّا به
تقطع مع القول بمركزية الرواية الغربية، بل ولتُخضع ما شاع في النقد الحديث من اعتبار الرواية فعلا
مدينيّا إلى فضاء السؤال من جديد.

ولم تخف الرواية السعودية الحديثة، في وظيفتها التواصلية، رغبة أصحابها في الانفتاح بالكتابة السرديّة
على الآخر وفق أسلوبيْن إثنين: أولهما نجد له حضورا في رواية “القارورة” ليوسف المحيميد، ويقوم على
استدعاء صورة هذا الآخر ضمن هيئات له جديدة يتعرّى فيها من زعمه بريادته الحضارية وبسبقه الفكريّ،
فلا تحفل منه الرواية إلا بما يتوفّر عليه من قيم كونية. وثانيهما ينهض على سعي الرواية إلى الترحّل
إلى هذا الآخر، وذلك عبر سبيل الترجمة والمشاركات في المعارض الدولية والمسابقات الأدبية العالمية، على
غرار رواية «بنات الرياض» للسعودية رجاء الصانع التي ترجمت إلى الإنجليزية وصدرت في كتاب صوتي يباع
في المتاجر العالمية. وفي هذا الانفتاح على الآخر يناقض المنجز الروائي السعودي ما ذهبت إليه الباحثة
ميرال الطحاوي في حكمها القائل بأنّ الرواية السعودية تكشف “تناقض الذهنية العربية بين الحنين
للبدايات وذهنية الممكنات التي هي معطى قومي أيديولوجي للحاضر”.

وعلى وجاهة تنبّه النقّاد والدارسين إلى هذه التيمات وفعلها الفنيّ والمضمونيّ في تجويد الكتابة السرديّة
السعوديّة، فإننا لا نعدم وجود تيمة أخرى من تيمات السرد السعودي، هي تيمة المرأة، نزعم أنّها
تحتاج من الدّرس ما به تظهر أهمّيتها في ما وصلت إليه الرواية الراهنة من تطوّر. وهي تيمة تبدو
مألوفة في السرود العربية، غير أنّ طرائق تناولها في الرواية السعودية زاد من وهجها الفنيّ والمرجعيّ
حتى صارت أيقونة تدلّ السرد السعودي وتميّزه.

وصورة ذلك أنّ حضور المرأة في الرواية السعودية تجاوز وظائفه التقليدية التي تقوم خاصة على حضور لها
تجميلي داخل الأحداث السردية، وأحيانا على اعتمادها سببا لإعلان انتهاك المقدّس الاجتماعيّ بتعلّة
الخروج عن السائد والتماهي مع مجلوبات الفكر الحديث، واتخذ له وظيفة حضاريّة يندر أن تكون تنبّهت
إليها الرواية العربية عامّة.

ذلك أنّ حضور المرأة في السرد السعودي، سواء بصفتها راوية له أو بوصفها شخصية روائية فيه، اتخذ له
فاعليّة فنية وحضاريّة تحوّل بمقتضاهما النص الروائي إلى منبر تواجه فيه المرأة مصيرها وتختار فيه ما
تريد لها من ملامح الوجود داخل مجموعتها الاجتماعية، بل وتعزّز فيه خطابا لها جديدا ظلّ مسكوتا عنه في
أدبنا العربيّ. لا بل إنّ في روايات رجاء عالم وزينب حفني وأميمة الخميس وليلى الجهني وغيرهن كثيرات، ما
يشي بنزوع المبدعة السعودية إلى “تأنيث الأصول” على حدّ عبارة الغذّامي، وتفنيد السائد من القول
بذكورية الخطاب الحضاري العربيّ والإسلامي، بل نحن نلفي في أغلب تلك الروايات ابتعاثا للأنثى جديدا من
سجون مقولة “الذكورة” التي حكمت المكتوب العربيّ منذ “قفا نبك”. وهو ابتعاث فيه وعي بحقوق المرأة
وبدورها في الدفع بعجلة التطوّر الاقتصادي والثقافي والسياسيّ الوطنيّ بعيدا عن موضة اختراق التابوهات
وتحدّي الأعراف الاجتماعية السائدة.


شاهدي أيضاً :



تعليقات الفيسبوك