الصورة من الحكاية إلى السرد الفيلمي

منوعات
528
0


الصورة من الحكاية إلى السرد الفيلمي

طاهر علوان

ينفتح المشهد ذاته على الشاشة، ومثل كل مرة علينا أن نتهيأ للحكاية؛ هو السر الذي يتجدد،
الانسان كائن حكائي درج على سماع الحكايات صغيرا ثم أدمن سردها راشدا وكهلا. وعلى هذا اقتات الساسة
كما القصاصون وحافظو السير على سرد (حكاية) ما.

تغايرت بنية الحكاية بين زمن وزمن ومدرسة وأخرى حتى صارت هنالك أشكال جاهزة للحكايةـ فهذه حكاية
واقعية وتلك خيالية وهذه سريالية وتلك انطباعية، ثم اصطبغت لاحقا بصبغة (أخلاقية) فصرنا نوجد

للحكاية (خانة) محددة بقولنا هذه حكاية صحيحة وصادقة وتلك كاذبة ومزيفة ومفتعلة. ولم يجد دارسو
الأدب والرواية والقصة وسائر أبواب (السرد) من بدأ درس الحكاية، هذا ناهيك عن تنقيب الكثيرين عن
الحكاية في بنية الأسطورة. وكأنه فعل استخراج للجوهر من الزبد أو هكذا تمضي المتوالية التي درسها
(بروب propp) الرائد في استقصاء الحكاية الشعبية والخرافية. أيضا.

ولكي لا أغرق في الحديث في هذا المحور وأقارب المتون النظرية الخالصة في استقراء (المتن والمبنى الحكائي)
أينما ورد في دراسات باختين وتودورف وبيرس وسواهم، مع إعجابي الكبير بقراءات العالم الألماني
(لنتفلت) في درسه المبدع والمعمق للحكاية، ولكي نحدد ما يعنينا هنا فإننا بصدد تلك الحكاية التي
أمعن فيها (السينمائيون) إعدادا واقتباسا. وعلى هذا الصعيد يقدم فدريكو فليني الحكاية في فيلم
(8.5) بأنها الفانطازيا الحكائية الخارجة عن زمانها ومكانها، وهو هذا النسيج المتداخل في ما يعرف
بـ(نسق المرويات) ومن خلاله اتبع عشرات من مخرجي نهج ما يعرف بـ(الانطباعية) في عرض رؤاهم. لكن ماهو
مهم هنا هو صعوبة الافتراض بانتماء هذه الحكاية إلى نمط أو نوع و(الكيفية) التي تلقى فيها جمهور
الحكاية ومكوناتها.

كان المخرج البريطاني ديفيد لين يقدم حكاية ما في فيلم (ابنة رايان)، (حكاية) عن قرية نائية يحتدم
فيها الإحساس باللاجدوى ممثلا في كائن يمثله المدرس التقليدي (روبرت ميتشوم) حتى تلك الحوارات الساكنة
المبهمة التي تغدو أشبه بمقطعات حكائية، وسيتكرر المشهد في (سوناتا الخريف) لدى برجمان ما بين الأم
الموسيقية المحترفة التي تنتقل في أصقاع الدنيا وتقطف النجاح وبين الابنة التي تشهد الأنانية في أبشع
صورها ولكن الحكاية في (امريكان بيوتي) هي أشبه بما يعرفه (لنتفلت) بمستويات السرد المتعددة التي
ستسهم كل شخصية في جزء منها وهي مستويات ستقترن بمستوى وعي الشخصية وانتمائها ودوافعها.

وستخرج المسألة عن إطار ذلك التلقي المتذبذب الذي يبحث فيه المتلقي عن (قصة تروى قبل النوم)
وسيسخط ذاك المشاهد من تلك (الأحاجي) والتعقيدات التي لا يستطيع لملمة خيوطها. حصل ذلك يوم شاهدنا
فيلم (الجدار) للبولوني القدير جيرزي سكوليموفنسكي. وحصل مرة أخرى – مع اختلاف المكان – يوم تساءل
المشاهد في صالة العرض في تونس عن (نحن) و (أين نحن؟) في فيلم (عصفور السطح) لفريد بوغدير.

سأبحث في الذاكرة عن ذاك السر المخبأ الفريد الذي اسمه الحكاية لأن هنالك (أمانة) اسمها المشاهد الذي
يجب أن لا يفلت من اللعبة وأن يخرج مطمئنا سعيدا ولهذا تم الانتقال بالحكاية بالتدرج إلى كلام عوام
وثرثرة بشر عابرين وليس مستغربا أن تشاهد هذا الانزياح الخاسر في (كتلة) من أفلام شباب السينما
المصرية اليوم، خذ مثلا أفلام مثل عوكل والباشا تلميذ وحتى كلام الليل للدغيدي. الموازنة بين سوق
الحكاية وتحويلها الى (مطية) للصفقة التجارية والفوز بإثارة المشاهد ومخاطبة حواسه الدنيا ثم الانحدار
به تباعا إلى مقولة: هذه هي السينما أيها السيد!

كان موت ارثر ميللر المتأخر والمرور بـ(موت بائع متجول) سببا كافيا ليس لتكريس مقولة (هذه
العبقرية وإلا فلا) ولكن باتجاه قبول الخطاب وتاليا قبول الحكاية ليس على أساس من أين أتت ومن أية
عبقرية جاءت ولكن على أساس أي بناء سردي قدمت. ويوما ما كان في ساحاتنا كثير من الجهل وعدد من
المومياءات التي تنافح عن الثقافة تحت خيمة نظام الاستبداد والتخلف، وكان هؤلاء ينكرون على مجموعة
من الدارسين تأسيسهم لجماعة في الجامعة المستنصرية تعنى بالدراسات السردية ويومها سخر كبيرهم الذي
علمهم السحر من المصطلح وقال: (ولم لا نسميها السرجية؟).

المسألة التي نفتقر إليها حاضرا في النظر للحكاية والخوض فيها هي إدماج البناء السردي بامتداده
المرئي، أليس هنالك من سرد مرئي في موازاة سرد مقروء؟

الصورة قبل مهمة الشارح هي كينونة مستقلة. انتهت صلتها بصانعها، أو صانعيها..
الصوري/ الصوتي/ الحركي هو المكون الثلاثـي الذي يرتكز عليه (شارح الصورة).
فضالته الأولى هي ما يرى ثم ما يسمع. وخلال ذلك يجري توظيف الحركة. إنها البنية السيميائية الافتراضية
من العلامات التي تستند إليها المكونات الثلاثة.
ولعل وظيفــــة الشارح هنا هي الوظيفة المؤجلة، إنها وظيفة بعد صورية أي إنها وظيفة متولدة من
انتهاء العرض وانتهاء عملية التلقي.


شاهدي أيضاً :



تعليقات الفيسبوك