رواية صبيّة مستديرة الوجه، قويّة الصدر

منوعات
699
0


رواية صبيّة مستديرة الوجه، قويّة الصدر

لم تكن المسافة الفاصلة بين انطلاقة الرحلة إلى الوصول السرمدي سوى لحظات اقتطعها الكاتب، كي يخرج من
صمت الكلمة، إلى ضوضاء السرد. هكذا اختار نصر سامي صاحي رواية “الآيات.. الأخرى” حين استنهض
شخصيات لامرئية تتحوّل إلى تراتيل وأغنيات تسبّح للوجود، وترسم شطحات مجنونة للشهوة واللذة.

مريم، تفتح المشهد في صورة الفاتنة: ” صبيّة مستديرة الوجه، قويّة الصدر، شعرها طويل ومنتور على
كتفيها العاليين.”‘(ص07). وهي التي عادت بعد عشرين سنة عندما تذكرها “الصبي المقطوع من الفجر” وهو

في حيرة من أمره قادته الأقدار كي يلقاها وسط ” صوت العربات الخشبيّة التي تقودها الأحصنة” (ص08).

ينفتح النص على صورة أسطوريّة تتعلق بجدران الزمن البعيد، ربما قبل التكوين، حيث النزول من
السماء إلى الأرض في خليط مدهش من الواقع والخيال، هذه مريم – العذراء- تدرط أن الصباحات التي
تشتهيها العذارى الجميلات، إنما هي ارتداد لنداءات تنبلج من “أفجار” قد تغيب فيها الأقمار
والنجوم.

متى تنتهي الرحلة، وتجد مريم المستقرّ لأيمانها بأن الأقدار إنما هي مجرّد سقوط إلى الهاوية وقد تكون خطيئة
التفاح (أخرج آدم وحواء من الجنة). يقول نصر سامي:”… وتنفتح الأبواب، ويسقط التفاح على
المنحدرات”(ص08).تتداخل المعاني وتنصهر المشاهد، فتتحوّل مريم إلى “عروس البحر” تأسر البحارة
وتفتنهم بسحرها الأخّاذ، وهي الآتية من وراء السّور “واستطعت أن أطلّ من وراء السّور. وأن أأسر بحّارة
البحر. أحدهم قال لي: “جسدك لا وجود له في شواطئ الدنيا.” والآخر شبّه صدري بمفاتح السحب الثّقال.”
(ص10).

جاء في غلاف الرواية:” وعدت إلى البحر، إلأى السيّد العظيم الذي لا يتخلّى أبدا عن عشّاقه، إلى اللامرئي
الجوّال الثابت العميق الواصل بين العوالم، إلى فاتح الحواس والأرواح، إلى البحر. كنتُ مفتونا بتوديع
أحبّتي عند الشواطئ توديع الذّاهب إلى الموت. ولم أودّعها. تركت لها قلبي معلّقا على أغصان الشجرة التي
كنتُ أجلس تحتها قرب البيت. وتركت لها خاتمي. ولم تترك لي شيئا غير لذّة التطواف وغيابات الفقد وابني
الذي بدأ يتحرّك داخلها.”

أليست النهايات فاتحة لبدايات العذابات الطويلة، ومعاناة ألم الفراق ومأساة البعد، نهاية حركها
سامي نحو صفاء الرسل وإدراكات البشرية الناهمة لبقايا أحلام مبنية على الأوهام، وربما مصائر أنفس
هدّها البحث عن الحقيقة” في ذلك الوقت كنتُ إنسانا مرسلا لأنفض الغبار عن لحم الحقيقة، وأدفع الصفاء
إلى عروق الكائنات، وكنت أعرف أنني قد جئت للشهادة حتى يؤمن الجميع على يد أحد أبنائي.” (ص103).

هي رواية خيالية من نسج أفكار الراوي، تنقسم إلى احد عشر مشهد: “القداسة تنزع برنسها الملكي”
و”الأيقونات السوداء المؤطرة بفضّة الخلق” و”الصوت ذو اللكنة المغربية الملفوحة بهجير الصحراء”
و”العربات الساقطة من شرفات الغيب” و”رائحة الأفجار المدعوكة بعرق النهارات” و”الشجرة الخضراء
المدنّسة بروائح الفتنة” و”جنّات اللذائذ المسكوتة بالهجرات” و”أربعة عشر قمرا تطل بأنوفها الصغيرة
من الكون” و”عبق الصوفيات الشرقية” وأصابع الصباح تطرق البلور المندّى” و”الفراديس
المعلقة”.والمتأمل في هذه العناوين يلاحظ “الغرابة التي تميّزها، وهي اشبه باستعارات تذهب صوب المجازات
المصحّحة لمدارات الكون، واستحضار لأركان الطبيعة الممزوجة بألوان السحر والمتلحفة برداءات الأنفاس
اللاهثة من تعب المسير.

“الآيات.. الأخرى” ترتيل لسجع الكهان، واكتشاف آخر للبعد الديني، ورونق الكلام:” لم تكن مريم الأولى”.
هكذا قرأ ميم. ” ولن تكون الأخيرة”.(ص16). “أكان يحسب أن مريم سفينته وأن الرّاء مجدافه” (ص17).

تحتفظ الرواية بأسرارها إلى النهاية ولا تبوح بها إلا عندما ينفك الحبل وتسقط الحبات ناثرة رائحة
الخطيئة، ومشاهد الحتراق المعنوي الذي أشعل الرغبات ووجعل من الموت حياة ومن الألم لذة ومن السقوط
إرادة ومن الحب خيانة، هي الثنائيات التي ملأت الرواية حتى كادت تصير عنوان البعث دون خلق ورمز
الشهوة الملتهبة “.. وقربتها. النهار ألقى على جسدي مفاتنه وأعطاها مفاتن الليل. شعرت للحظات
بالظلمة تسقط بين ذراعيّ وتتأوّد. فرفعت ثياب السواد عن جنتيها وعن قمريها وعن لسانها. وألبست
إيزابيلا ثوب النور. ولبست أنا ثوب الليل. واشتعلنا”(ص32).

تمرّ إيزابيلا كأنها نور فضيّ، تقاسم رسول القمر لحظات من الزمن سرقاها من فجر لايأتي إلا كي يدركه
اليوم الحزين التالي، صبح دون نكهة الشمس ولا طعم النسيم الهادئ، لا شيء فيه سوى فاتحات كلام لا يفهمه
إلا الحقول وسنابل القمح المحملة بالألوان وبأكاليل الغابات الكاشفة عن أفانين العشق والغرام،
والهاربة من أنظار الرقيب.فيخيّل للقارئ أحيانا صورا متشعّبة وألوانا غريبة تضاء مرّة وتختفي مرّة
أخرى.

تتداخل الرؤى، وتتصدّع جدران البناء، في اسلوب تتراءى من خلاله أحتقانات الأنفس، وضجر يملأ القلوب
الواهنة والمتعبة. تسافر الشخوص وتحطّ الترحال، وتظهر ثم تختفي، هو القدر الذي لعب بالجميع دون
استثناء، وترك أغلبهم بقايا حطام.فيعود الرسول كي يلقى ابنه فتتجدّد الرحلة وينزل أصحاب
العربات الساقطة كي يحملوا ما تبقى من شظايا المرايا العاكسة لوجوه تدرك أن المصير آت لا محالة وأن
الرسالة إنما هي عنوان للسفر وأساطير الماضي السحيق.


شاهدي أيضاً :



تعليقات الفيسبوك