جوزيف حرب يكتب قيم الأصالة بدواة من مسك

منوعات
206
0


جوزيف حرب يكتب قيم الأصالة بدواة من مسك

دمشق- سامر إسماعيل

يتطرق الشاعر الكبير جوزيف حرب في ديوانه الجديد “دواة المسك” إلى لغة لا يمكن مجاراة نفائسها
البديعية عبر اتزانها الدلالي ونحتها من كنهٍ شعري غاية في الأصالة حيث تنعدم تلك الوراثة الفنية التي
من الممكن أن يجدها قارئ هذه الأيام بكثافة هنا أو هناك ليكون القارئ أمام قدرة استثنائية على
اشتقاق الشاعر اللبناني لعوالمه وكائناته المنسجمة دوماً مع جدتها واتساقها وبسالة قريحتها الشعرية

فتصير (المحبره.. خزانةُ الورق.. بيت الطواحين.. كنيسة القمح) و(الكروم شعراء الحقول).

ويصوغ حرب في “دواة المسك” الصادر حديثاً عن دار رياض الريس غنائيته المتدفقة من خصوصية كون شعري
متآلف مع نبرته في مجابهة مستمرة بين الذات والوجود لتصبح القصيدة لديه محض اقتفاء لمعنوية الأشياء عبر
تنقيحٍ مضنٍ لماديتها الفائضة وخشونة أدائها وغلظة قلبها يقول: “وأنا ألغي من البيت الذي نحيا به
أخطاءه.. غيرت سقفَ البيتِ.. نقحتُ الشبابيكَ.. التي صارت عتيقة.. وحذفتُ البابَ كي أكتبَ باباً آخراً..
نعمتهُ في قسوة الفتح رقيقه.. “، فلاشيء يقف حائلاً عن كتابة نوتة جديدة لما كنا نظنه نفقاً شعرياً من
كثرة حراثة الشعراء فيه واستهلاكهم لدلالاته.

ويبرأ النص لدى صاحب (الخصر والمزمار)1994 من ركامه اللغوي وتمارين السابقين على اعتلاء صهواته
البلاغية صاعداً مجازاتٍ أخرى وقاراتٍ من صورٍ مجهولة تنبعثُ جميعها من رقدتها ككلمات متورمةٍ من
الاستخدام إلى معاتبة صميمية تنفذُ إلى قارئها دون أية إقحاماتٍ شكلانية ترهق نزاهتها و ذلك عبر سعي
الشاعر دائماً إلى تخليص الصورة من ميوعة المعاصر ومخادعته فالمعاصر لدى حرب ينجو من راهنيته ومروقه
الفني نحو مفازاتٍ زمنية أكثر انعتاقاً من مصادرة العمومي للشخصي والعدمي للراسخ المقيم في الذات
الإنسانية.

يقول حرب مخاطباً محمود درويش: كَمْ جميلاً كان أن تحيا قليلا بعدُ شهراً أم سنة.. ولماذا رغم ستينكَ لم توحِ
لنا أنكَ قد أصبحتَ في سنِّ العصافيرِ وعمرِ السوسنة.. آهِ يا محمودُ كم يحزنُ روحي أن أعزي المسجدَ الشعريَّ
مفجوعاً بموتِ المئذنة مما يوضح أن الشعر ليس سهلاً أو في متناول اليد كما يظن الآخرون بل هو لدى حرب
فن الإصغاء للعميق في النفس ولذا يصيخ الشاعر حواسه جميعها لاختبار الجميل وصهر سبائكه من دون
التنازل عن تركيب العالم من جديد وتجسيده في ألبومٍ من الأيقونات الشعرية المديدة.

ويشتغل حرب في دواة المسك على تباريح من وجدٍ خالص فالمقطعية التي تنتظم فيها قصائد الديوان تقترب
من أسلوب الهمس الخافت الرخيم والمشافهة عبر موسقة المفردة وتشذيب بياضها المحيط وارتكابها تماماً في سطر
السكون المناسب كأنما الحركات هنا لها هيئة أجنحة تصيغها جملُ الشاعر وتخيطها بأناةٍ متناهية وفق
مقادير من أعشار صوت الكلمات وعبر رأفةٌ لغوية بآذانٍ كلها قلوبٌ مصغية محيلةً إلى معرفةٌ بليغةٌ بوزن
الكلمة وثقلها ووقعها على قارئها ومن ثم رنينها الكتيم في خاطر النفس وذائقتها وحوض دلالاتها
فالقصيدة الكلمة لدى حرب تبزغ من أتونها خيط ماءٍ من المفردات المتصاعدة لإتمام دينها اللغوي الخاص
بها يقول حرب.. أخبرني المطر.. لا شيء إلا ولهُ أثرْ.. حتى الصدى يحركُ الشجر.. وقطرةُ الندى تحفرُ في الحجرْ.

هذه اللغة المتقشفة لدى الشاعر الكبير ليست اقتصاداً لفيض من دلالة وحسب بل موهبة عتيقة في احترام
كياسة الكلمة موهبة تسعى لتدوين الصمت وإبرامه لصالح البنية الكلية في قصائد فندرة الشعري
وعصيانه على التجلي تتأتى في هذا الكتاب من قدرته على الالتباس في الشعر ذاته ومن تطويعه كريشةٍ
تغمس من عطر المعنى من روائحٍ وأرواحٍ فليس كلاماً عاماً أن نجد لدى صاحب (مقص الحبر) تلك المدائح للصفحة
البيضاء واصفاً الورق بناقده المفضل ليس الورق تماماً إنه هذا البياض الذي لا يمكن مخادعته أو تجاهل
رغباته أو المسافة الكافية بين مجرةٍ وأخرى من قصائدٍ لم تكتب بعد على هذا النحو من الاحتفاء بالرقيقِ
والشفاف والظلي.

يقول حرب.. مهيبٌ بياض الورق إذا ما رغبتَ إلى الخطِ فيه تهيبتَ لون البياضِ.. كأنَّ البياضَ شريكُ
الكتابةِ أو قارئٌ ناقدٌ يستحقُ التفكّر فيه لتأتي الكتابةُ أجمل.. أعمق.. يا للورقْ أفكرُ فيه كأني
أكتبُ شعري له أو كأني به ليس يرضى سوى الصور الرائعاتِ وغير الخيال المشعِّ بلون الشفقْ وأول قارىءِ
نصٍّ لديك وناقدِ نصٍّ بياضُ الورقْ ويا للورق.

يقول صاحب (زرتك قصب فليت ناي) أيضاً.. مراتْ أطبعُ نسيانيْ على المرآةِ للبعيد.. أجعلُ نسيانيَ صندوق
بريد وأرسلُ المرآةْ. هذه الملكة في توزيع اللغة على أوركسترا هائلة بصياغاتها الفنية لا تستجدي
خصوصيتها من التصاقها بالطبيعة وحسب فالطبيعي هنا أصيلٌ وجذري سريالي بقدر ما هو بعيدٌ عن
اعتباطيته وعشوائية تقلباته الطبيعي نسيج وحده متناغمٌ وكلي ومدوزن بطريقةٍ يصعب فيها فصله عن
شقائق مفرداته ولسان حال شعريته.. دراهمُ كفِّي عائلةٌ ذاتُ كوخٍ فقيرة. وكفيْ الصغيره حصيره.

وتتماهى هذه الدربة المعتقة لدى حرب مع اصواتها الداخلية لتحفر عميقاً في وجدان النص فلا تنشد
الممالأة للعب إنما تتوخى باستمرار إبرام عقدها الفريد مع اللغة بعيداً عن إلحاح الهين والمتوافر
والمتاح من الصور فقريباً من جنتها (اللغة) تحيا قلقها قلق الشاعر المفتون بها دون مغالاةٍ في مديحها
بل هو هنا فهمها واستيعاب رمزيتها العالية ومن ثم هيمنتها داخل النص.

وتعكس قصائد (دواة المسك) رغبة جوزف حرب التي لم تتوقف عن إعادة الحياة إلى نسغ القصيدة فليس عارضاً
هذا التجلي المستمر للشاعر في نصوصه وهذا الابتعاد عن التكلف واصطناع النبرة فخير طريقة عند حرب
لوصول الشعر هي عدم التورط في ركام الشعراء وما تركوه ويتركونه يومياً من ندبٍ على جسد الكلام بل
هو الاندماج بماهية الشعر نفسه وفي طبيعته العصية على التعريف بغية الخلاص إلى ما تقترحه الصورة في كل
مرةٍ يطل فيها حرب على أنهاره وكائنات دواته التي شفت فأمست عطراً وروحاً بريئة من اختزالها.

كما أن “دواة المسك” مكتوبة بهيامٍ واضح كي تعيد ترتيب أحاسيس الأشجار ونعمة التآخي مع نباتات
المخيلة فالأصيل لا يمكن وراثته ولا تقليده وهو في قصائد الشاعر نعيمٌ يفرط في عنايته للشعر لكنه أبداً
لا يستبيحُ عزلته أو يزعج نومته فحلوله في معادن الشيء وأجسامه يجعله دائماً على تصالح معه.. وحلولي
فيكَ ذهابي في الكونِ إليكَ مليئاً بذهولي لا تغلقْ بابك في وجهي أغلق بابكَ بعد دخولي.


شاهدي أيضاً :



تعليقات الفيسبوك