أثر خطابة أرسطو في التراث النقدي عند العرب

منوعات
1.1K
0


أثر خطابة أرسطو في التراث النقدي عند العرب

هدى قزع

اخترت في هذا المقال بعض ما جاء في مقدمة أطروحتي لنيل مرحلة الدكتوراة ، وركزت على إيجاز أبرز
الأفكار التي ناقشتها في الفصل الثالث منها محاولة تتبع الأثر الأرسطي عند البلاغيين والنقاد العرب ،
وملتزمة التسلسل التاريخي.

إذ حرصت على الموازنة بين ما جاء في تراثنا النقدي والبلاغي من أفكار ونظيرها في الخطابة الأرسطية
.وكان الجاحظ محطتي الأولى، وآثرت ، لأن الآراء التي قيلت في تأثره اتسمت بالتعميم وخالطها أحيانًا بعض

الزيف تخصيص حيز لطرح إشكالية تأثره بخطابة أرسطو .ورأيت بعدها أنه من المفيد بيان صلته بمعارف
اليونان وبلاغتهم وكتبهم ، ومدى معرفته بمنطق أرسطو تحديدًا ؛ لأن الخطابة جزء منه .وكان ختام المطاف
الموازنة بين ما جاء في مؤلفاته و ما احتوته خطابة أرسطو ، وركزت فيها على مفاصل أساسية تتصل
بالبلاغة والأسلوب هي : فصاحة العبارة ، وتناسب الأسلوب ، وقضية اللفظ والمعنى ، والكناية ، والسجع
، والمجاز ، والاستعارة ، والإيجاز والإطناب ، والغرابة الفنية ، وسلامة الأسلوب ، والقول في أجزاء
الكلام ، وجمال الأسلوب .وقادتني هذه الموازنة إلى تحديد خصوصية الجاحظ في بحثه لموضوع الخطابة على مستوى
المنهج ، والأفكار المطروقة.

وعاينت بعد ذلك أثر كتاب الخطابة في الرسالة العذراء ، ومع صغر حجمها إلا أنها احتوت على تحديدات
نظرية نسبت صراحة لأرسطو ، وتتصل بنسب مع خطابة أرسطو من مثل الدلالات الخمس على المعاني ، وحد
البلاغة عند اليونانيين الذي يقارب ما اهتمت فيه المقالة الثالثة من موضوعات ، وحد البلاغة ،
كذلك، عند أرسطو الذي يركز فيه على حسن الاستعارة وبينت جوانب أخرى تلتقي مع ما جاء في الخطابة
من مثل : مناسبة الخطاب لمستويات المخاطبين ، ومناسبة الألفاظ للمعاني ، وأجزاء الخطبة .وخلصت إلى
بيان الرؤية المتقدمة لجانب التناسب بين الألفاظ والمعاني عند مؤلف الرسالة ، ومراعاته للخصوصية
الفنية وهو يبحث مسألة الغموض والوضوح. والتأثر بخطابة أرسطو ، لم يأتِ على نمطٍ واحد؛ فقد تباين
النقاد والبلاغيون العرب في استقبالهم لهذا الوافد الجديد ؛ مما دفعني لتجلية اتجاه ابن قتيبة الذي
يمثل صورة من صور التأثر السلبي بأرسطو.

وألمحت بعد ذلك إلى أخبار موجزة وردت عند ابن عبد ربه الأندلسي، ذات صلة بخطابة أرسطو، من مثل :
أصناف الدلالات الخمس ، وتعريفات اليونانيين وأرسطو للبلاغة .
ثم توجهت لعرض فكرتين وردتا عند أبي بكر الصولي لهما صلة بخطابة أرسطو ، وهما: العلل الأربع ، التي
رأيت فيها تمثلًا لقضية مهمة في النقد العربي هي المادة والصورة أو ما يسمى اللفظ والمعنى.

وأما الفكرة الأخرى فهي متصلة بجانب دلالي له حضور في خطابة أرسطو ، وهي : التمييز بين الملفوظ به
والمعاني التي في النفوس .

وفصلت القول ، بعد ذلك ، بمحاولة قدامة بن جعفر في كتابه نقد الشعر ، فعنوان الكتاب لا ينفي
وجود أفكار تنتسب بجذورها إلى خطابة أرسطو ؛ ذلك أن أرسطو لا يتحدث عن الخطابة بل عن فن الخطابة ،
أي الأدوات والوسائل الفنية المشكلة للخطابة ؛ الأمر الذي يجعل الموازنة بينهما مشروعة .وأومأت
بإيجاز إلى أسلوبه المنطقي ، ودللت عليه بمثالين من كتابه ، وشهادة لأبي حيان التوحيدي فيه .

ورحت أوازن بين ما ورد عنده وما جاء في خطابة أرسطو ، فبينت جوانب التقائهما وافتراقهما في
القضايا الآتية : فصاحة الألفاظ ، والتناسب ، والغلو ، والمبالغة ، والتكافؤ ، وصحة التقسيم،
وصحة المقابلات، ومخالفة العرف، والإيقاع الخطابي، والتمثيل، ونعت الهجاء ، ونعت المدح ، ونعت المراثي
، والاستحالة والتناقض .

وكان ابن وهب هو المحطة التالية، وما يميز مؤلفه أنه جاء معارضة لكتاب البيان والتبيين للجاحظ ،
وكان مسوغه أن طريقة المتكلمين غير ناجعة في بحث البيان، ولا تغني صاحب البيان عن مراجعة كتب المنطق
والفلاسفة .وانطلقت في موازنتي بين ابن وهب وخطابة أرسطو من هذا المسوغ ، فبسطت الحديث عن الفصل
الذي عقده للبيان ووجوهه الأربعة ، لاسيما الوجه الأول وهو “الاعتبار” لصلته الوثيقة بما ورد عند
أرسطو في المقالة الثالثة لما تحدث عن القياس الخطابي ، وارتباطه بموضوع بلاغي اتخذ أهمية في كتب
البلاغيين وهو ” المثل”.

وأظهرت وجه إفادته من مفهوم الجدل والمجادلة الأرسطيين ، ومقاربته لما قاله أرسطو في الخطابة عن ”
وسائل الجواب عن مسألة” . وتحدثت عن مناقشته لقضية الحجة الشعرية ، وملامح التقائه مع الطرح
الأرسطي للقضية نفسها ، وأشرت إلى نظرته السلبية للسوفسطائيين التي تقارب نظرة أرسطو إليهم .وبعد
أن خلصت من الموازنة بينهما في هذه الأمور التي اكتست برداء فلسفي ، آثرت التركيز على الموازنة
بينهما في المسائل المتصلة مباشرة بالبلاغة والنقد ، فتناولت جانب اللغز في الكلام ونظرة كل منهما
له، مع بيان لأمثلتها المطروقة في هذا الجانب ، وأوجه التقائهما وافتراقهما.

ووازنت بين حديثهما عن مصطلح الاختراع في الأدب ، وكلامهما على الهزل ومواضع استحسانه ، ورؤيتهما
للغلو ، وتوقفت في بياني لرؤيتهما عند جوانب تميز ابن وهب عن قدامة في تناول قضية الغلو وإحالته
المباشرة على أرسطو في هذه القضية ، ووعيه بصلة الموضوع بالمنطق ، وحياده عن التفصيلات الخارجة عن
إطار الأدب.

وأوجزت كلامه على فكرة مراعاة مقتضى الحال في الأسلوب الخطابي وصلتها بما جاء عند أرسطو ، ثم أبنت عن
عنايتهما ببيان الفرق بين الكتابة والخطابة بما يحيل إلى فكرة الكتابية والشفاهية ” ، وسجلت نظرات
أرسطو المتقدمة على ابن وهب في هذا الإطار. ولفت ، كذلك ، إلى تمييزهما بين الإلقاء الخطابي والشعري ،
وأبنت ، بعد الموازنة ، عن شمولية النظرة الأرسطية في هذا الجانب .واستوقفني عدم إدراك ابن وهب
الفرق بين المجاز والاستعارة ، وإغفاله خلافًا لمعاصريه تقسيمات الاستعارة ، فحاولت معرفة الأسباب التي
دعته لذلك اعتمادًا على الموزانة بين رأيه و رأي أرسطو في الاستعارة والمجاز .وأبنت عن التقائهما في
جانب التصوير البلاغي بمعناه الدرامي الذي يمثل الأشياء أمام عيوننا كأنها تتحرك ، بما يدعى حديثًا ”
التشخيص”.

وعاودت مراجعة قضية الغرابة والتعجيب عنده، مع أنها لا تفارق كثيرًا ماجاء عند الجاحظ في نصه الذي
أورده في الغرابة نقلًا عن سهل بن هارون ، وهو يتصل بخطابة أرسطو .وحاولت مقاربة حده للبلاغة ،
الذي أورده بعدما رأى أن الجاحظ أورد أوصافًا كثيرة عجزت عن توصيف حدها، فوجدت أنه يقترب بجزء منه
من حد البلاغة الذي أورده الجاحظ منسوبًا لليونانيين ،الأمر الذي دعاني لمناقشة حدّه في ضوء مفردات
الخطابة الأرسطية ؛ ما دام أنّه قرأ ما كتب الجاحظ وكان على وعي بحد البلاغة عند اليونانيين وسعى
لاستكماله .وختمت موازنتي بإيضاح سياقات أخرى في كتابه تدل على معرفته ببعض خصائص علماء اليونان
البيانية وما يطرأ على علاقة بعضهم ببعض على الصعيد الاجتماعي ، وتظهر ، كذلك، حفظه لكلمات
يونانية كتبها كما سمعها ممن يعرفون اليونانية.

انتقلت، بعد ذلك، إلى الموازنة بين أبي حيان التوحيدي وخطابة أرسطو، فألمحت بإيجاز إلى احتمالية
قراءة التوحيدي لنص الخطابة أو سماعه به من خلال التوسل بإشاراته التي أحالت غير مرة إلى أرسطو
وكتبه ، وموقفه من المنطق ، وبيانه للصلة الناظمة بين المنطق والمعاني والألفاظ .وذكرت مناقشته لمزج
إخوان الصفا الفلسفة اليونانية بالشريعة الإسلامية ، وإيراده رأي شيخه أبي سليمان المنطقي في
رسائلهم؛ ليظهر مجانبته للصواب فيما ذهب إليه من مجافاة بين الشريعة والمنطق.

ثم عرضت لمقابسته الثامنة والثمانين التي تكشف عن معرفته بكتاب الخطابة ومحتوياته، ومقابسته
الثالثة والستين التي تظهر سوء الترجمات من اليونانية إلى العربية.

وفي المقابسة الستين يسجل التوحيدي تمييز أبي سليمان المنطقي بين النظم والنثر، وقد بينت أوجه
مقاربة هذه الموازنة مع رؤية أرسطو في التمييز بينهما بخطابته . وكانت الليلة الثامنة من كتاب
الإمتاع والمؤانسة، التي تضمنت مناظرة “متّى” المنطقي، والسيرافي” النحوي” بما يصور الصراع بين النحو
والمنطق ، ويظهر معاداة السيرافي لمنهج الخطابة عند اليونان وأرسطو فيهم ، دافعًا للدارسين لعدّ هذه
المناظرة دليلًا على معاداة التوحيدي للمنطق اليوناني ؛ لذلك حرصت على نقد هذه الآراء من خلال
قراءة أقواله ونصه الصريح في المقابسات الذي يظهر أنه لا تعارض بين النحو والمنطق ، ولم يكن حديثنا
عن هذا الجانب إلا حلقة وصل بين ما جاء في كلام التوحيدي في المقابسة الثانية والعشرين وما احتواه
كتاب الخطابة من مسائل تتصل بالجانب النحوي ،لا سيما حينما يتصل الكلام بالمعاني التي لا تنفك في
أحوالها عن المنطق والبلاغة.

توقفت، بعد ذلك، عند رأي أبي حيان التوحيدي، في الليلة الرابعة من الإمتاع والمؤانسة بابن السمح
الذي نسخ الترجمة العربية للخطابة .وأشرت إلى تقديمه للعرب في فني الخطابة والبيان ، إزاء تقديمه
لليونان في العلم والحكمة وذلك في الليلة السادسة والرابعة عشرة من الإمتاع والمؤانسة .ثم ألمحت لعدد
من القضايا التي وردت في الهوامل والشوامل ويحتمل أنها ترتد إلى أصول يونانية ، ولها حضور في كتاب
الخطابة ، من مثل قضية المادة والصورة، والتمثيل، والكتابة والمشافهة، والعلل الأربع، والواجب
والممتنع والممكن، ومراتب الإقناع.

وعرجت على بعض التعريفات التي وردت في كتاب مواد البيان لابن خلف الكاتب ، وهي تتصل في البلاغة عند
اليونانيين ، ولها حضور في الخطابة الأرسطية.

ثم وازنت بين جهد عبد القاهر الجرجاني وما جاء في خطابة أرسطو، فبدأت في حده للحقيقة والمجاز وبينت
أوجه صلته مع أرسطو. وعرضت لبعض الأفكار التي يلتقيان فيها من مثل: الاستعارة من الضد والتشبيه،
والاستعارة التشخيصية، والتمثيل والحسية، والتشبيه العقلي واللذة النفسية، وسلامة الأسلوب،
ومراعاة حسن الربط الجملي والفصل والوصل، والتمويه، وإيقاع الائتلاف بين المختلفات في التشكيل
المجازي، والغرابة، والتخييل موضحة خصوصية عبد القاهر في طرحه لهذه الأمور، وهذا لا ينفي تأثره
بالأفكار الأرسطية، والأمثلة التي وردت في الخطابة.

وعدت إلى ناقد آخر سار على هدي ابن قتيبة بتأثره السلبي بأرسطو، هو ابن الأثير، الذي يبدو أنه عرف
خطابة أرسطو بصورة غير مباشرة عن طريق ابن سينا، وكانت له نظرات تتجه في خلاصتها إلى انعدام الأثر
اليوناني في البلاغة العربية، وأن محتويات كتاب الخطابة لا تغني صاحب البيان العربي .

وقد تخلل هذه النظرات اعتداد بالنفس، وبعض التناقضات .وحاولت تفسير حملاته المضادة على بلاغة
اليونان، فوجدت أنها قد ترتد إلى شيوع تأثر العرب بالشعر والخطابة الأرسطيين .ولم تقتصر حملاته المضادة
على اليونانيين حسب، إنّما وجه سهام نقده إلى من نقل معانيهم وفسرها ومنهم ابن سينا.

وسجلت شكوكه في صلاحية تطبيق قوانين اليونان على العرب وفنونهم ، وكذلك ، على اليونان أنفسهم
.وأبنت رد ابن أبي الحديد في فلكه الدائر على هذه الشكوك ، التي ردها إلى جهل ابن الأثير بقوانين
اليونان، وأقوالهم، ومصطلحاتهم، وعجبه بنفسه .واتجه إلى تصويب فكرة ابن الأثير الخاطئة عن مفهوم
الشعر عند اليونانيين.

وكانت رؤى ابن الأثير مع معاداتها لقوانين اليونان منسجمة مع موروثه الديني، وقد أبنت هذه الفكرة
من خلال تطرقي لرؤيته النقدية لتقسيم الألفاظ عند اليونان وعجزها عن مجاراة ما جاء عند العرب
.وأظهرت وفاءه للمبدأ الديني، ومحاولة إخضاعه التصورات المنطقية الأرسطية لسلطة النص الديني، من
خلال دمجه للمصطلحات المنطقية وهو يشرح بعض النصوص القرآنية . وحاولت، في الختام ، الموازنة بين نصين
أوردهما ابن الأثير يبدو فيهما، مع نقده للمنطق الأرسطي، متبعًا لهذا المنطق وقوانينه ؛ وذلك في حديثه
عن التخييل والتصوير ومثاله المطروق في ذلك ، وسخريته من رأي ابن سنان الخفاجي في الاستعارة التي
اكتست برداء منطقي يقوم على أسلوب المقدمة والنتيجة.

ثم انتقلت بعد ذلك إلى صورة أخرى من صور التأثر بالخطابة الأرسطية، وهي التأثر غير المباشر بها عن
طريق الفلاسفة المسلمين، وتمثلت تلك الصورة عند ابن عميرة الذي سار على طريق الفلاسفة المسلمين في
عباراته وأمثلته الشعرية .وأول صور التأثر التي تلمح عنده هي حده للبلاغة الذي يتصل بنسب مع ما
ذكره ابن رشد في تلخيص الخطابة، وابن سينا في الخطابة من الشفاء.

ومن جوانب تأثره الأخرى ، ذكره غرض المدح والذم بالفضائل وضدها، والصفات التي تستعمل في المدح
والذم . ومع أن قدامة كان قد تطرق إلى المدح والذم والصفات إلا أنني رجحت أن ابن عميرة عرف هذه
الفكرة لما اطلع على تلخيص ابن رشد ، ودلني على ذلك تشابهما في اختيار الأمثلة الشعرية في هذا الباب
، وتطابقهما في بعض المصطلحات من مثل ” المدح بالتغافل” .وبعد ذلك تطرقت إلى حديثه عن الاستعارة ،
ووازنت بينه وبين ماجاء في خطابة ابن سينا.

وكان كلامه على التغيير من المواطن الأخرى التي لمست فيها الأثر غير المباشر بخطابة أرسطو ، وقد سجلت
اتباعه في هذا الموطن لعبارة ابن سينا مع ما يكتنفها من تحريف للنص الأرسطي سببه الترجمة العربية
التي اعتمد عليها.وأردفت ذلك بذكر لبعض مصطلحات ابن عميرة المرتبطة بخطابة أرسطو من مثل :
التمثيل ، والمحاكاة ، والتخييل ، والتغيير ، والضمير ، والتعجب ، والإضمار .

وتناولت بعض الأمثلة التي تظهر اتباعه لمنهج ابن رشد في استقبال المصطلح الوافد ، إذ كساه برداء
عربي ، وحاول تقريبه من الأدب العربي والشريعة الإسلامية .ثم ختمت القول ببعض الملاحظات الجزئية التي
أوردها ابن عميرة ولها حضورٌ في الخطابة الأرسطية ، من مثل دعوته إلى الوضوح في الأسلوب، والاعتدال
الإيقاعي في فن السجع دون إفراط أو تفريط.

ثم توجهت إلى بيان صورة أخرى من صور التأثر غير المباشر ، إلا أنها تتميز بالتطابق التام مع مصدره
.أعني جهد ميثم البحراني في مقدمته لشرح نهج البلاغة الذي اعتمد على ما ذكره ابن سينا في خطابته ،
ولم يفارقه إلا في ميله لإيجاز ما أطال ابن سينا في شرحه .والغريب أنه لم ينسب أي قول لابن سينا ، مع
أنه اتبع أقواله وأمثلته ومصطلحاته التي ميزته عن غيره ممن عنوا بالخطابة الأرسطية .وقد حرصت على
الموازنة للتدليل على تطابق ما جاء عنده، مع ما ورد في خطابة ابن سينا دون أي إضافة تذكر .

عنيت، بعد ذلك ، ببيان أثر الخطابة الأرسطية بحازم القرطاجني ، فبدأت بربطه بين الشعر والمحاكاة ،
وصلة هذا الربط مع ما جاء في خطابة ابن سينا ، ثم لفت إلى تنبهه على فكرة التخييل وجمعه من خلالها
بين فكرتي التعجيب واللذة عند ابن سينا، وأوضحت توسعه في جانب التأثير النفسي والانفعالي على
المتلقي ، ومحاولته الموازنة بين فني الخطابة والشعر على أسس جاءت في خطابة ابن سينا تحديدًا، وملاحظته
لتناوب العناصر بين فني الشعر والخطابة والتي رددنا جذورها_ من خلال الموازنة_ إلى خطابة ابن سينا،
وتقسيمه للجهات التي يعتنى فيها بإيقاع الحيل وهو يقارب ما جاء في خطابة ابن سينا، وعدّه للشعر
بنية جمالية تقوم على التناسب وفيه يفيد من أفكار ابن سينا في خطابته ويقترب مما جاء في تلخيص
الخطابة لابن رشد، وتخصيصه أوزانًا شعرية بعينها لوصف غرض ما وهذا ما صرح به ابن سينا في خطابته،
وذكره لضرورة المدح بالفضائل النفسية التي استند فيها على قدامة مع تصريحه إلى سبق القدماء لقدامة
إلى هذه القسمة ، وقوله القدماء يمكن أن يفسر بفلاسفة اليونان ومنهم أرسطو .ومن مظاهر تأثره
بخطابة أرسطو ، تطرقه للغرابة الفنية وأثرها في النفس ، وحديثه عن فعل الهزل واختلاطه بالجد ،
الذي أبنت أنه كان أوعى فيه من أرسطو.

وكان السجلماسي المحطة الأخيرة التي توقفت عندها ، إذ وزانت بين منزعه وخطابة أرسطو، وألمحت في البدء
إلى اختلاط أسلوبه ومنهجه ومصطلحاته بالمنطق ، ومقاربة مفهومه في البديع مع ابن المعتز .وقد كشفت
عن تصريحه بمعرفته كتاب الخطابة ومحتواه لما تحدث عن “الانتهاك” الحاصل جراء ” حذف الموصوف وإبقاء
الصفة” ، و ألمح لفكرة التضاد والمقايسة بالضد في حديثه عن الاعتراض .

وحاولت البحث عن مصادره، من خلال الموازنة بين نصه والنصوص التي وصلت إلينا في الخطابة الأرسطية ، و
قادتني الموازنة إلى أنه اعتمد على تلخيص ابن رشد في الخطابة، والتزم بعباراته واصطلاحاته.

وسجلت، بعد ذلك، بيانه لرأي أرسطو في نوع خاص من الإبدال؛ وهو ما يسمى “الترادف”، وأبنت صلته غير
المباشرة بخطابة أرسطو ؛ ذلك أن الموازنة النصية هدتني إلى اعتماده على تلخيص ابن رشد وهو يسجل هذا
الرأي، وأردفت، ذلك ، ببيان آخر له تكلم فيه على المطابقة واستحضر فيه قول أرسطو على هذا
الأسلوب في الخطابة، واستحسان ابن سينا له في خطابته من الشفاء.

وحاولت مقاربة هذا البيان من خلال الموازنة والتوضيح بما وصل إلينا من نصوص في الخطابة الأرسطية.ولم
أقتصر في بياني لتأثر السجلماسي بالخطابة الأرسطية على تصريحه المباشر بتأثره بخطابة أرسطو ، إذ
رجحت تأثره به في مواضع أخرى من مثل : كلامه على الغلو ، والتخييل، والاستعارة التشخيصية ، وحدّه
للشعر .وحرصت على بيان خصوصيته في طرحه لمفهوم المجاز وصلته بالتخييل ، وإظهار مجاوزته للمفهوم
الأرسطي وما جاء عند الفلاسفة المسلمين.


شاهدي أيضاً :



تعليقات الفيسبوك