إيسيسكو: الإصلاح هـو المشروع الحضاري للعالم الإسلامي

منوعات
263
0


إيسيسكو: الإصلاح هـو المشروع الحضاري للعالم الإسلامي

الرباط – أعلن الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية
والعلوم والثقافة–إيسيسكو- في حديث أجرته معه مجلة “الإحياء” التي تصدر من الرباط نشرته في عددها
الجديد، إن “الاستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامي” تضع الأمة الإسلامية على أول الطريق في اتجاه تأكيد
الذاتية الحضارية الثقافية الإسلامية، وإثبات القدرة على التعامل مع الثقافات الإنسانية بمختلف

تياراتها ومشاربها، والتفاعل مع قضايا العصر بكل اتجاهاتها وموضوعاتها، والتعايش مع الإبداعات
الفكرية والأدبية والفنية والإنسانية من موقع القوة والتفوق والتميز، مشيرًا إلى أن العالم الإسلامي
دخل بهذه الاستراتيجية عصرًا جديدًا قوامه التخطيط العلمي للمستقبل، ودراسة تحديات الحاضر وقضاياه،
وتحليل المشكلات الثقافية التي تعوق النمو الثقافي في البلدان الإسلامية.

وتحدث عن الاهتمام الذي توليه الإيسيسكو لنشر الوعي العلمي والثقافة العلمية، فقال إن ذلك يتم عبر
تشجيع الدول الأعضاء على تعزيز قدراتها في حقول العلوم والتكنولوجيا والابتكار، بحيث تترسخ قواعد
البحث العلمي، ليصبح ثقافة مجتمعية، وقوة دفع للتنمية الشاملة المستدامة، مشيرًا إلى “استراتيجية
العلوم والتكنولوجيا والابتكار” التي أعدتها الإيسيسكو واعتمدها مؤتمر القمة الإسلامي الثامن المنعقد
في طهران سنة 1997، وصادق المؤتمر الإسلامي الرابع لوزراء التعليم العالي والبحث العلمي المنعقد في
باكو سنة 2008 على تجديدها.

وذكر أن هذه الاستراتيجية تتكامل مع استراتيجيتين أخريين اعتمدهما مؤتمر القمة الإسلامي العاشر المنعقد
في ماليزيا سنة 2003، هما : “استراتيجية تطوير التـقـانـة الأحيائية في العالم الإسلامي”، و”استراتيجية
تدبير الموارد المائية في العالم الإسلامي”، يضاف إلى ذلك “استراتيجية تطوير الطاقة المتجددة في العالم
الإسلامي” التي اعتمدها المؤتمر الإسلامي الثالث لوزراء البيئة المنعقد في الرباط سنة 2008، وأوضح أن
هذه الاستراتيجيات العلمية الأربع، تشكل إطارًا واسعـًا للتعاون في مجالات العلوم والتكنولوجيا
والابتكار، على مختلف المستويات. وهي جميعها تفتح الآفاق الواسعة أمام الدول الأعضاء، لتعزيز قدراتها
العلمية والتقانية، ولإقامة القاعدة العلمية الراسخة للتقدم في مضمار البحث العلمي المنتج
للتنمية الشاملة المتكاملة المستدامة.

وذكر أن الإيسيسكو لا تكتفي بنشر الوعي بالعلوم والتكنولوجيا والابتكار فحسب، على الرغم من الأهمية
البالغة لإشاعة هذا الوعي وترسيخه، ولكنها تنفذ المئات من البرامج والأنشطة العلمية على الأرض، التي
تستفيد منها الدول الأعضاء كافة، وتتعاون مع شبكة واسعة من المنظمات الدولية، وفي المقدمة منها
اليونسكو، في تنفيذ أنشطة تدخل في نطاق الاختصاصات العلمية للمنظمتين الإيسيسكو واليونسكو، إضافة
إلى التعاون القائم مع اللجنة الدائمة للتعاون العلمي والتكنولوجي –كومستيك- التابعة لمنظمة
التعاون الإسلامي.

وجوابًا عن سؤال حول رؤية الإيسيسكو إلى الإصلاح، قال المدير العام للإيسيسكو: ” إن الإصلاح هو المشروع
الحضاري للعالم الإسلامي، في الحاضر وفي المستقبل، وهو منظومة متكلملة تجمع العناصر التربوية والحقوقية
والعلمية والتقانية والثقافية، فإن فقد عنصر واحد منها، اختل التوازن الذي هو شرط لازم من شروط
النهضة والتقدم في مختلف المجالات، وإن كان التأكيد على العنصر التربوي في المرحلة الأولى للإصلاح، في إطار
تفعيل العنصر الحقوقي، يرتقي إلى مستوى الضرورات الملحة التي تفرض نفسها في سياق البحث عن مخارج
للأزمة الحضارية التي تعيشها الأمة الإسلامية.

موضحًا أن الدول التي استوعبت هذه الحقائق واستجابت للمتطلبات الإصلاحية المشروعة، هي التي استطاعت
أن تتغلب على المشاكل القائمة وتجد لنفسها مخرجًا من الأزمة، وتصل إلى ضمان الفرص المواتية لاستكمال
عملية الإصلاح في مأمن من المخاطر، مؤكدًا على أن تنفيذ مشاريع الإصلاح الشامل والهيكلي في دول العالم
الإسلامي، من منطلق احترام حقوق الإنسان والحريات الأساس للأفراد والجماعات، فريضة دينية وضرورة
حياتية ورسالة حضارية ومسؤولية جماعية مشتركة.

وشرح مفهوم التجديد الحضاري من جوانب مختلفة ومن خلال ممارسات واقعية، فقال: ” إن هذا المفهوم
يستند إلى تجربتي في العمل الإسلامي المشترك، على مدى أكثر من ربع قرن، وفي تجديد البناء الحضاري، ولقد
كنت من المفكرين الأوائل الذين اهتموا بتأصيل مفهوم “تجديد البناء الحضاري” وتقعيده، ونشرت لي
دراسات وبحوث عديدة حول هذا المفهوم عـدا الكتاب الضخم الذي صدر لي بعنوان “في البناء الحضاري
للعالم الإسلامي” في اثني عشر جزءًا حتى الآن.

ونحن في الإيسيسكو نعمل من أجل هدف استراتيجي بعيد المدى، ألا وهو تجديد الحضارة الإسلامية، من خلال
التحديث للمناهج والنظم التربوية والتعليمية، والتجديد للطرق وللوسائل وآليات التنفيذ،
والتطوير للرؤى وللمفاهيم والتصورات، والترشيد للتوجهات وللاختيارات من منطلق القيم الإسلامية
الحاكمة للفكر البناء المبدع للحضارة وللتقدم”.

وعن سؤال حول الديمقراطية في العالم الإسلامي، أجاب الدكتور عبد العزيز التويجري بأن الديمقراطية
نظام من الأنظمة التي توافقت عليها دول العالم المعاصر لإدارة الشؤون العامة للمجتمعات البشرية.
وهي من حيث المقاصد والغايات، ومن حيث العمق، لا تتعارض مع مقاصد الشورى.

ولذلك فإن الديمقراطية من حيث هي نظام سياسي واجتماعي وحقوقي قابل للتكيف مع الأوضاع في العالم
الإسلامي، فإنها إطار متكامل للتقدم وللبناء والنماء، ووعاء مناسب للإبداع في ازدهار الحياة، وهي إلى
ذلك كله، صمام الأمان، إذا روعي في تطبيقها الالتزام بالضوابط والأحكام الشرعية غير القابلة للتصرف
أو التعديل طبقـًا للنصوص قطعية الدلالة.

وتحدث عن الحقوق الثقافية للمجتمعات البشرية التي قال إنها تنبع من خصوصياتها الثقافية والحضارية
والروحية، فقال إن القانون الدولي يعترف للأمم والشعوب بالحقوق الثقافية من منطلق احترام التعددية
الثقافية، ولذلك فإن الحقوق الثقافية، هي جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان الواجبة الاحترام والحماية
والمراعاة. والإسلام يعترف بالحقوق الثقافية للأمم والشعوب ويحض على حمايتها، باحترامه للتعددية
الثقافية والحضارية.

كما تحدث عن الحراك الاجتماعي الذي تعيشه الشعوب الإسلامية في هذه المرحلة، الذي وصفه بأنه ظاهرة
صحية في جل الأحوال، وقال إن هذه الظاهرة تستدعي التجاوب معها بقدر كبير من اليقظة النابعة من
الإحساس بالمسؤولية الجماعية. وقال: ” إذا سار هذا الحراك الاجتماعي في الاتجاه السليم، ولم ينحرف عن
جادة العقل والحكمة والمصلحة العامة المعتبرة، ولم ينح إلى الغلو والتطرف، انتهى إلى إحداث التغيير
الحضاري الذي ينقل الأمة الإسلامية من مرحلة تتسم بالضعف والوهن والتمزق، إلى مرحلة تتوافر فيها
الشروط الموضوعية للحياة الحرة، والعيش الكريم، والارتقاء إلى مصاف الدول المتقدمة”.

وقال إن تباشير ميلاد فجر الحضارة الإسلامية الجديدة، تبدو في الأفق البعيد، يراها حكماء الأمة وعقلاؤها
ممن يستشرفون المستقبل، ولكن لابد من الإقرار بأن دون استئناف دورة حضارية إسلامية جديدة، صعاب
وعراقيل ومشقات، لا يمكن التغلب عليها إلا َّ بصلابة الإرادة، وشدة العزيمة، وقوة الأمل، مع تجميع
الصفوف وتوحيدها وتضافر الجهود وتكاملها، لبلوغ الأهداف السامية التي تجتمع حولها إرادة الأمة
الإسلامية. والأمر يتوقف على صدق النوايا وسلامة الطوايا في المقام الأول.

وتناول في حديثه إلى مجلة “الأحياء” الأكاديمية الفصلية التي تصدرها الرابطة المحمدية لعلماء المغرب،
موضوع التقريب بين المذاهب الإسلامية، وقال: ” إن الإيسيسكو انطلقت في الإعداد لاستراتيجية التقريب بين
المذاهب الإسلامية، من اقتناعها العميق بضرورة بذل المساعي لـلـمّ الشمل ونبذ الفرقة بين المسلمين
وتعبئة الطاقات لمواجهة التحديات التي تعترض سبيل الأمة الإسلامية نحو الوحدة الثقافية والعقدية
والشعورية المبنية على قاعدة التضامن الإسلامي، وقد شارك في إعداد هذه الاستراتيجية علماء ومفكرون
ومفتون يمثلون المذاهب الإسلامية الثمانية، وعقدت في الرباط دورتان من ندوة التقريب بين المذاهب
الإسلامية.

وعقدت دورتان أخريان في كل من القاهرة ودمشق، فتجمعت العناصر المنهجية والشروط العلمية لإعداد
الاستراتيجية التي قدمت إلى مؤتمر القمة الإسلامي العاشر المنعقد في ماليزيا سنة 2003، الذي صدر عنه
قرار باعتمدها. وقد تشكل في إطار آليات تنفيذ هذه الاستراتيجية، المجلس الاستشاري الأعلى للتقريب بين
المذاهب الإسلامية. وعقد هذا المجلس ثلاثة اجتماعات له في الرباط في السنوات 2007 و2008 و2011. ويضم
هذا المجلس صفوة من العلماء والمفتين والمفكرين وأساتذة الجامعات الإسلامية. وهو آلية فاعلة من آليات
تنفيذ استراتيجية التقريب بين المذاهب الإسلامية”.

واستدرك قائلا: ” ولكننا في الإيسيسكو ندرك جيدًا، أن مشروع التقريب بين المذاهب الإسلامية، دون
تنفيذه بالكامل عراقيل كثيرة، منها ما تقوم به بعض الجهات من نشاط تخريبي لزرع الفتنة ونشر
الشبهات والتطاول على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجاته أمهات المؤمنين، رضي الله عنهم
وعنهن أجمعين، بوسائل شتى، خصوصًا من خلال الفضائيات التي تتخصص في شن هذه الحملات المغرضة، وعن طريق
النشر والتوزيع المجاني لبعض المنشورات المغرضة المزيفة للحقائق والمدلسة على القارئ، والعمل على
نشر المذهب الشيعي في الأوساط السنية بأساليب وطرق تتعارض كلية مع أهداف استراتيجية التقريب بين
المذاهب الإسلامية. وأضاف قائلا ً: ” ومع ذلك فنحن مصممون، بعون من الله تعالى، على مواصلة العمل في
تفعيل هذه الاستراتيجية وتنفيذها في واقع العالم الإسلامي، لتقوية الكيان الإسلامي الكبير، ولإبعاد الأمة
عن مزالق التفرقة والطائفية ومهاوي الخلافات المدمرة”.

وحول علاقات التعاون بين المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة –إيسيسكو-، والمنظمة العربية
للتربية والثقافة والعلوم –ألكسو-، أوضح أن هذه العلاقات تقوم على اتفاقية للتعاون يتم في إطارها
تنفيذ برامج دورية للتعاون تتجدد باستمرار، تشتمل على أنشطة تدخل في إطار اختصاصاتهما المشتركة.

وقال بهذا الخصوص:” إن أهداف المنظمتين الإسلامية والعربية، تتكامل، وجهودهما تتضافر، ولئن كانت
الألكسو تمثل اثنتين وعشرين دولة أعضاء في جامعة الدول العربية، فإن الإيسيسكو تمثل خمسين دولة من
الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي. وعلاقات التعاون بين المنظمتين مثال للتعاون في إطار العمل
العربي الإسلامي المشترك لخدمة أهداف التنمية التربوية والعلمية والثقافية للعالم الإسلامي، وأتمنى أن
تتمكن الشقيقة الألكسو من تعزيز جهودها وتقوية نشاطها لمواجهة التحديات الكبيرة في العالم العربي”.


شاهدي أيضاً :



تعليقات الفيسبوك