نساء خالدات بين ريشة الألوان وسحر الكلمات

منوعات
318
0


نساء خالدات بين ريشة الألوان وسحر الكلمات

في القديم قالوا:” وراء كل رجل عظيم امرأة”.. ولعل هذا المثل ينطبق على أغلب الفنانين التشكليين
العالميين عندما سخروا ريشتهم لتصوير نساء خالدات بقين مثالا وعنوانا للإبداع الفني، ودافعا قويا
للرغبة في تصوير الأنثى.. فالمرأة عالم كبير وغامض بالنسبة إلى جلّ الفنانين، ولعل ابرز النساء
الخالدات بقين أشبه بالأساطير أو الحكايات التي نتداولها إلى يوم الناس هذا.. فالعبقرية لا تموت والفن

باق مدى الدهر يمتعنا ويحلق بنا إلى سماوات السحر وآفاق الجمال.

*الجوكاندا .. حديث الفن والروح

ومن أشهر النساء في عالم الفن: “الجوكاندا” اللوحة المعلقة في إحدى قاعات متحف اللوفـر في باريس،
حيث يقف أمامها المعجبون القادمون من جميع أنحاء الأرض، ليتأملوا تلك الابتسامة المحيرة، و”الجوكاندا”
التي رسمها ليوناردو دافنشي قيل إنها هي الزوجـة الثالثة لفرانسيسكو جيوكوندو، أحد أعيان
فلورنسا، في تلك الفترة.


ودافينشي “1452 – 1519 م”، يعد من أشهر فناني النهضة الإيطاليين على الإطلاق وهو مشهور كرسام،
نحات، معماري، وعالم. كانت مكتشفاته وفنونه نتيجة شغفه الدائم للمعرفة والبحث العملي، له آثار
عديدة على مدارس الفن بإيطاليا امتد لأكثر من قرن بعد وفاته. وإن أبحاثه العلمية خاصة في مجال علم
التشريح، البصريات وعلم الحركة والماء حاضرة ضمن العديد من اختراعات عصرنا الحالي.

ويقول المؤرخ فاساري، في هذا الخصوص، إن دافنشي كان يستأجــــر فرقة من الموسيقيين ليعزفوا
ويغنــــوا لها أثناء جلوسها أمامه، وهو يرســـم صورتها، حتى لا تفــــارق وجهها تلك الابتسامة التي
خلدتها فرشاته. ولذلك دار الهمـس حول علاقة الفنان الوسيم بصاحبة الوجـه الجميل، وذلك خصوصا انه
أطـال فترة رسم اللوحة الى الأربع سنوات، ليأخذ دافنشي فيما بعد، عمله هذا، ويذهب إلى فرنسا.

* نساء بابلو بيكاسو

تمثل قصة الجوكاندا ودافنشي، واحدة من قصص كثيرة كانت وراء إبداع فنان من الفنانين الذين كثيرا ما
ارتبط إبداعهم، الذي تظهر فيه إحدى النساء، بامرأة حقيقية مرت في حياتهم، ألهمتهم فبددوها
إبداعا. وقد قال الفنان الإسباني بابلو بيكاسو، ذات مرة:

“المرأة عود ثقاب يشعل رغبتي في الرسم أريدها دائمة الحضور، متجددة، ونارها لا تنطفئ”. وبقيت المرأة
فعلا محركا لريشة هذا الفنان الذي منح العالم إحساس القرن العشرين، ولكن بيكاسو لم يكتف بامرأة
واحدة، إذ كان يمل ويضجر، فيسعى إلى التجديد والتغيير، وذلك في علاقاته النسوية كما في لوحاته.

فالمرأة التي يخوض المعارك من أجل الحصول عليها، هي نفسها التي يتعامل معها فيما بعد، على أنها شيء تم
استهلاكه، وهكذا تبدو علاقة بيكاسو الموزعة بين الشغف والامتلاك، بين الجنون والمزاجية، وصولا إلى الرفض
أو إلى الإهمال، وكان بيكاسو مربكا للمرأة دائما، سواء في حالة سيطرته عليها، أو في إدراك ضعفه
الذي يظهر فجأة.

وإذا هربت منه يلحق بها مثل طفل يركض وراء أمه، طالبا الرضى والصفح. وهذه النقطة كانت واضحة
تماما في كتاب “حياتي مع بيكاسو” لمؤلفته فرانسواز جيلو “إحدى حبيبات بيكاسو”، التي فهمت هذه
المعادلة، وكانت أكثر من كارثة بالنسبة لبيكاسو، فقد هجرته وسط استهجانه وغضبه، وقوله الممتلئ
بالغرور:” لا تستطيع امرأة أن تهجرني، أنا أقرر هجرها”. ولكن جيلو فعلتها وكتبت مذكراتها معه.
ومن ثم اتصل بها بيكاسو، مهنئا ومباركا لها بهذا الإصدار، بعد ان كان خسر الدعوى القانونية التي
رفعها ضد جيلو، لمقاضاتها بشأن ذلك الكتاب.

وقبل فرانسواز كانت هناك نساء كثيرات خلدهن بيكاسو في ريشته، ومنهن: دورا مار، فرانسـواز،
جينياف. ووصولاً إلى جاكلين، وإضافة إلى ذلك هنـــاك امرأتان تزوجهما، هما: أولغـا وجاكلين روك. وكان
قد تـــزوج الاخيرة، بعد فرانسواز، وبقيت معه طوال حياته، إذ تمتعت بالجمال والأنوثة والبساطة
والقدرة على تحريك مخيلة بيكاسو.
وكذلك دفعه إلى المزيد من الخلق والإبداع، فقد وقفت أمامه كنموذج باهر، قبل أن تصبح الزوجة
الثانيــة، ومن ثم ليخلدها فنا بعد أن صبـــغ وجهـــها بكل الألوان، وتباهى بإبراز حبه لها، ولهذا
تكرر وجودها في لوحاته، بإيحاءات مختلفة.

*المرأة التي أخفاها فان كوخ عن العالم

لأكثر من مائة وعشرين سنة بقيت المرأة القروية مختفية وقد افترض مبدعها الهولندي”فان كوخ “أنها
ستبقى بعيدة عن الأنظار إلى الأبد .ولكن التقنيات المتقدمة تمكنت من اكتشاف السر فاللوحة
أخفاها”فان كوخ” حين رسم فوقها عام 1887 لوحته “قطعة عشب”.

فقد استخدمت مجموعة دولية من العلماء تقنية جديدة لأشعة “آكس” ولأول مرة على اللوحة المعروفة
ليكتشفوا وجود لوحة أصلية مرسومة تحتها .وفي السابق أدرك الباحثون الفنيون وجود لوحة المرأة
القروية ولكن محدودية التقنيات لم تكن تكفي لإظهارها بشكل كامل ولم يتمكنوا سوى من إظهار الخطوط
الأساسية للرأس أما التقنيات الحديثة فتوصلت لدرجة تحديد ألوان اللوحة.

ولعل عامل الفقر هو ما دفع فان كوخ للرسم فوق لوحات سابقة الأمر الذي دفع الدارسين للاعتقاد
بوجود أعمال أخرى مخفية بل ذهب بعض الخبراء إلى القول إن ثلث أعمال الفنان قد رسمت فوق أعمال أخرى
له.‏

ولاكتشاف لوحة المرأة القروية قام الفريق باستخدام مسرع الذرات لتحفيز الذرات في اللوحات وهذه
بدورها تصدر اشعاعات اكس الخاصة بها وبما أن لكل عنصر بصمته المميزة يتم تحديد العناصر بشكل دقيق
ولأجل معالجة قطعة صغيرة من اللوحة يحتاج العلماء إلى يومين.‏ وأظهر الباحثون أن الطبقات الأصلية
تتعرض للترصيص وبذلك يمكن استخدام اللوحة ثانية.

واللوحة بحد ذاتها تشبه سلسلة من الرسومات لفان كوخ عندما كان يعيش في بلدة نوينين الهولندية وربما
أشهر لوحاته في تلك الفترة هي “آكلو البطاطا” عام 1885 وبعد سنتين رسم فان كوخ قطعة عشب حين انتقل
إلى باريس وأضحى أكثر تأثرا بالأسلوب الانطباعي.

*أنجيلو وتحدي الجسد الأنثوي

مايكل أنجلو “1475-1564″، هو رسام ونحات ومهندس وشاعر إيطالي، كان لإنجازاته الفنية الأثر الأكبر على
محور الفنون ضمن عصره وخلال المراحل الفنية الأوروبية اللاحقة.

اعتبرأنجلو أن جسد الإنسان العاري الموضوع الأساسي بالفن مما دفعه لدراسة أوضاع الجسد وتحركاته ضمن
البيئات المختلفة. حتى أن جميع فنونه المعمارية كانت ولابد أن تحتوي على شكل إنساني من خلال نافذة،
جدار، أو باب.

كان مايكل أنجلو يبحث دائما عن التحدي سواء كان تحديا جسديا أو عقليا، وأغلب المواضيع التي كان
يعمل بها كانت تستلزم جهدًا بالغاً سواء كانت عبارة عن لوحات جصية أو لوحات فنية، وكان أنجلو يختار
الوضعيات الأصعب للرسم إضافة لذلك كان دائما مايخلق عدة معاني من لوحته من خلال دمج الطبقات
المختلفة في صورة واحدة، وأغلب معانيه كان يستقيها من الأساطير، الدين، ومواضيع أخرى. نجاحه في قهر
العقبات التي وضعها لنفسه في صنع تحفه كان مذهلا إلا أنه كثيرا ما كان يترك أعماله دون إنجاز وكأنه
يُهزم بطموحهِ نفسه. اثنان من أعظم أعماله النحتية، تمثال داوود وتمثال بيتتا العذراء تنتحب قام
بإنجازهما وهو دون سن الثلاثين.

* إيلينا جالا زوجة سلفادور دالي

ظهرت كثيرا في لوحات الفنان الإسباني سلفادور دالي، رسومات لزوجته جالا، ولكن القليل من الناس من
يعرف أنها هي زوجته التي أوحت إليه بالكثير، وجالا هو الاسم الأخير لها.

إيلينا ديماكونوفا جالا، وهي فتاة روسية جاءت إلى فرنسا بمفردها في العام 1913. ولم تتجاوز حينها
التاسعة عشرة من عمرها، فأقامت في مصح للمعالجة من مرض السل، وبعد أربعة أعوام التقت الشاعر بول
إيلوار وتزوجت به ونذرت نفسها له، حتى وقعت في غرام الفنان ماكس أرنست، إلى أن ارتبطت حياتها بحياة
دالي منذ العام 1929 .

وكانت تكبره بأكثر من عشر سنوات، وظهر تأثيرها الواضح عليه وعلى أعماله الفنية، لأنها كانت حريصة
على منع تخيلاته المتطرفة في الحياة والفن، من أن تصبح حالة مرضية. وهذا الحرص الدائم كان سببا في
الجاذبية المتصاعدة والمستمرة بينهمـا، إلى درجـــة أن دالي كان يوقــــع على بعض لوحاته باسمه واسم
جالا معا. وكان يكرر فكرته عن ارتباط اسم جالا بالعبقرية: “إن كل رسم جيد يريد أن يكون مبدعا
وينجز لوحات رائعة، عليــــه أولاً ان يتزوج زوجتي”.

ويرجع البعـض هذا التعلق إلى أن أم دالي قد توفيت عام 1921، وكان عمـره 16 عاما، وعلـق على
موتهـا فيما بعد: “انها الصدمة الأعظم في حياتي. ولهذا وجد المحللون أن ارتباط دالي بجالا وحبه لها، من
الممكن أن يكون تعويضا عن فقدانه أمه، وأنها تمثل له الزوجة- الأم، بشكل واضح.

ولم يقتصر دور جالا على أن تكون ملهمة دالي، بل تحولت مع الوقت إلى مديرة علاقاته العامة والمسؤولة
عن تسويق منتجات دالي الذي كان يقول عادة :”السريالية هي أنا”. وبدوره كان دالي يتعلم كيفية
استغلال فضائحه في مشاريع تجارية مربحة. حتى ولو كانت جالا بالنسبة للكثيرين، هي القوة التي تقف وراء
نجاحه، بل هي من سهلت له الدخول إلى المجتمع الباريسي، وعملت بلا كلل لترويج أعماله.

*حكمت ومنور.. الثنائي التركي الخالد

أما الشاعر التركي ناظم حكمت، فقد كتب أجمل قصائد الحب في زوجته منور، عندما كان في السجن. وقد قال
يناجيها باسمها واصفا حالاته: “أنا يا منور لا أعلم عدد الذين يعيشون معي في نفس البناء/ أنا وحدي
بعيد عنهم/ وهم جميعا بعيدون عني/ ولا يسمح لي بالتكلم إلا مع نفسي”.

ولكن عندما خرج حكمت من السجن لم يبقَ طويلاً حتى طلق امرأته، وانفصل عنها إلى الأبد. ويفسر البعض
هذه الحالة: “عندما يحصل الإنسان على ما يريده يصبح عاديا”. وبقي الشعر يخلد حالات الحب، سواء كشف
الشاعر عن اسم محبوبته أو لم يكشف.

* أسطورة النحات بجماليون.. قوة الخيال

للنحات بجماليون قصـة مختلفة، فهو كما تقول الأسطورة أوجـد المرأة المخيلة ومن ثـم أحبها، عكس ما
يحدث في الواقع، وبجماليون الذي كان يعيش في قبرص، كان موهوبا ولم يصـل الى مستوى عبقريته أي إنسان في
زمنه، وكان يكره النساء، ويرى أنهن وراء كل الكوارث.

لذا قطع على نفسه عهدا بألا يتزوج، ولكنه بالمقابل صنع تمثالاً لامرأة فائقة الجمال، بل هي أجمل من أي
امرأة، لدرجة أن بجماليون كان يخاطب تمثاله : “كنت جميلة لكنك الآن أجمل، وكنت رائعة وأصبحت الآن
أروع”.

ولكن بجماليون أصابه ما لـم يخطر في بالـه، فقد أحب تمثاله حبا شديدا، وأصبـح لا يقـــدر على فراقه
لحظة واحدة، وكان يتخيله امرأة حقيقية، ولكن عبثا حاول بعث الحياة في شيء ميت، فـأدرك أنه لن
يقــــدر الاستمرار في هذا الوهم، وهو ما جعله يتحول إلى ضحية تستحق الرثاء.

وكانت فينوس آلهة الحب على علم بما يحدث، فقررت أن تساعده، وفي عيد فينوس شارك بجماليون للمرة الاولى.
وقدم الهدايا الثمينة التي تليق بمقام فينوس التي أصبحت آخر رجاء له. وفي المعبد كان يناجي فينوس،
لتجمعه بامرأة تشبه تمثاله، ولما عاد إلى منزله، وجد حبيبته واقفة على منصتها فنظــر إليها نظرة
طويلة، وفهم أن فينوس استجابت لتوسلاته، وحدثت المعجزة.

ومن هذه الأسطورة الإغريقية، استمد الكاتب والفيلسوف الايرلندي الساخر جورج برنارد شو فكرة إحدى
مسرحياته، في بدايات القرن العشرين.


شاهدي أيضاً :



تعليقات الفيسبوك