علي الورداني في رحلته الأندلسية.. أمانة المعرفة وخيانتها

منوعات
371
0


علي الورداني في رحلته الأندلسية..  أمانة المعرفة وخيانتها

عبد الدائم السلامي

اختارت المؤسّسة الجامعية التونسية، منذ خمسينات القرن الماضي، أن تنتصر للمعرفة والبحث العلميّ
وتنأى بنفسها عن الدّخول في المهاترات السياسيّة أو الإيديولوجية إلاّ في النادر من الحالات، وهو ما
أكسبها حصانة ضدّ كلّ الإكراهات السياسيّة التي مورست ضدّها وتغيّت تدجين فعلها الاجتماعيّ أو الحضاريّ،
بل وكّنها من فرض هيبتها العلمية ونزاهة اختياراتها الفكريّة ضمن سياق واقعها بجميع مجالاته حتى بات

لها شأن في النهوض الحضاريّ، وساهمت في تأصيله داخل فضاءاتها الفكريّة.

وبعد مجيء 14 جانفي، كشف البعضُ عن رغبة في دكّ أسوار المؤسسة الجامعية، وانتهاك قداستها عبر أدلجةِ
فضاءتها وتحزيب نشاطها اليوميّ والتشكيك في كفايات الفاعلين فيها من مدرّسين وطلبة. ولو كانت محاولات
انتهاك قداسة الجامعة التونسية متأتية من داخلها، لقلنا إنّها تدخل في إطار صراع الأجيال العلمية
نحو إزاحة قداسات وتأسيس أخرى، وهو أمرٌ محمودٌ في الفعل البحثي والفكريّ الجامعيّ. ولكنّ الظاهر أنّ
هذا السعي إلى انتهاك حرمة الجامعة تقوده عناصر من خارج فضائها، ولعلّنا نجد في ما تعرّض له الدكتور
الحبيب العوّادي عيّنةً على هذا السعي المحموم إلى النيل من حرمة الفكر التونسيّ.


إذ نشرت إحدى الصحف التونسية، في إطار أمواج حرية التعبير وإسهالها، مقالا موسوما بـ “في احترام
الأمانة العلمية احترام للذات أولا” سعى فيه صاحبه إلى كشف حقيقة كتاب “الرحلة الأندلسية لعلي
الورداني التونسي: جمع وتحقيق ودراسة” الذي أصدره الدكتور الحبيب العوادي عام2008 . وإذ نصّب كاتب
المقال نفسه أمينا على الأمانة العلمية، عاد يبحث في تاريخية تحقيق كتاب الرحلة الأندلسية، ووقف في
بحثه على أنّ الأستاذ عبد الجبار الشريف هو السابق في تحقيق هذا الكتاب من جهة كونه نشره عام 1984،
وأن الدكتور العوادي لاحق به. وعلى هذا الاستنتاج راح هذا الكاتب يكيل التهم للدكتور العوادي
نافيا عنه، بأسلوب ساخر، أهليته العلمي، بل ونافيا عنه حتى صفة الدكتور.

ولكنّ احترام هذا الكاتب لمفهوم الأمانة العلمية، التي نصّب نفسه مدافعا عنها، انتهى به إلى مخالفتها في
مقاله. لأن الأمانة العلمية تفترض من الباحث الوقوف على حظّ كلّ موضوع من الدراسة وذلك بالعودة أولا
إلى سجلاّت الرسائل والأطروحات، حيث يقع إثبات ملكية الموضوعات لأصحابها ولا يحق لأحد التصرّف فيها أو
السطو عليها، ثم بالرجوع إلى الدراسات الحافّة بالموضوع، وهو ما يتلقّاه الطلبة في مجال منهجيات البحث
خلال سنواتهم الأولى.

ولكنّ هذا الأمر فات هذا الكاتب، فلم يتبيّن أن كتاب الرحلة لتونسية هو في الأصل رسالة جامعية نال
بها الدكتور العوادي شهادة الكفاءة في البحث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس عام 1979 وقد
أشرف عليها الأستاذ الدكتور علي الشنوفي وهي مسجّلة بقسم الأطروحات بالمكتبة الوطنية وبمكتبة كلية 9
أفريل منذ ذلك الحين. كما فات هذا الكاتب أيضا أن الخوض في أمر المسائل العلمية يحتاج من صاحبه إلى
تبصّر فكريّ ويقظة بحثية حتى لا يدفعه ظاهر التواريخ إلى التحامل على نزاهة الباحثين وتخطئتهم، ويتحوّل
دفاعه عن الأمانة العلمية إلى خيانة للعلم مَتَعمَّدة.


شاهدي أيضاً :



تعليقات الفيسبوك