جَنّة أبي العلاء للشاعر والقاص عبد الكريم كاصد

منوعات
315
0


جَنّة أبي العلاء للشاعر والقاص عبد الكريم كاصد

لندن -عدنان حسين أحمد

لم ينبثق كتاب “جَنّة أبي العلاء” للشاعر والقاص العراقي عبد الكريم كاصد من فراغ، فلقد سبقه أبو
العلاء المعري حينما كتب رائعته الشهيرة “رسالة الغفران” التي أثارت جدلاً واسعاً لم تنتهِ تداعياته حتى
الآن. وبحسب المستشرق الأسباني ميغويل أسين بلاسيوس فإن دانتي صاحب “الكوميديا الإلهية” قد تأثر بـ
“رسالة الغفران” أو أنها ألهمته، في الأقل، في كتابة نصه المذكور الذي “يُعّد الخطاب الأدبي الأعظم الذي

أنتجته أوروبا خلال القرون الوسطى”.


غير أن ما يميّز كتاب “جَنة أبي العلاء” للشاعر المبدع عبد الكريم كاصد هو بنيته الداخلية المعكوسة،
فبدلاً من أن يذهب هو بنفسه إلى الجَنّة، كما فعل الشاعران الكبيران دانتي والمَعرّي، استدعى المَعرّي إلى
الدار العاجلة التي يحِّن إليها الشعراء الضالون الذين عفا الله عنهم وأعتبرهم مثل أطفاله المشاكسين
الذين لا يستطيع أن يرّد لهم طلبا. هذه التقنية المتفرّدة تضع عبد الكريم كاصد بموازاة الشاعرين
المذكورين، إذ أفادَ من المناخ العام لملحمتيهما الرائعتين، لكنه خلق شكلاً خاصاً به، وفكرة تُنسَب
إليه، هذا إضافة إلى المعالجة الذكية في استدراج المعرّي إليه بعد أن كتب عنه قصيدة “يا أبا العلاء”
وقصائد أخر أحبّها “رهين المحبسين” وقرّر مع سبق الترصد والاصرار أن يقوم بهذه الرحلة الشاقة في أقطار
السماوات ليجد نفسه وجهاً لوجه أما الشاعر عبد الكريم كاصد الذي يمحض المعرّي حُباً من نوع خاص،
ويكاد يعرف عنه كل شاردة وواردة.

قسّم الشاعر عبد الكريم كاصد كتابه إلى ستة أقسام مدروسة بعناية فائقة وهي على التوالي “الليلة
الأولى، النهار الأول، في المقهى، العودة إلى البيت، صباح اليوم التالي وهامش بقصائد الشاعر التي قالها
عن أبي العلاء” وعلى الرغم من قِصر المدة الزمنية إلاّ أنَّ خالق النص ومُبدِعة عرف كيف يركِّز الأحداث،
ويكثِّف الوقائع المثيرة للجدل، فهو لم يكتفِ باستدعاء الشعراء الأقدمين الذين فارقت أرواحهم أجسادهم
واستقروا في عالمهم السرمدي، وإنما أحاطنا علماً بالشعراء والكتّاب والمترجمين الأحياء الذين يعملون
بصمت الفراشات، وأولئك الذين يملأون الدنيا ضجيجاً مُحاججاً إيّاهم بالأدلة الدامغة، والبراهين القاطعة
التي تكشف عن قصورهم في اللغة والنقد الأدبي والترجمة وما إلى ذلك.

*الجملة الاستهلالية

تلعب الجملة الاستهلالية دوراً مهماً في التمهيد لطبيعة النص، والكشف عن مهيمناته الفكرية. دعونا
نمعن النظر في هذا الاستهلال الناجح الذي يفتح آفاقاً واسعة أمام المتلقي بوصفه مستقبلاً عضوياً للخطاب
الأدبي حيث يقول عبد الكريم كاصد، بضمير التكلم: “عندما انتصف الليل، ونام الأهل، وكاد الصمت أن
يبعثَ حتى الميْت، فإذا بشيخٍ يقف أمامي كملاكٍ هابطٍ من السماء، بلحيةٍ بيضاء، وعصا سوداء، مقطوعة من
حماطة”. لا يخفى على القارئ الحصيف أن هذه الجُمل السردية المتواترة ترسم صورة واضحة للزمان والمكان
الواقعيين، والحدث الذي زّجنا فيه الكاتب بسرعة مذهلة وهو نزول الشيخ، الذي سنعرف بعد قليل، أنه
المعرّي نفسه.

هذه المعطيات تشير إلى أن الراوي كان يقظاً، بينما كان الصمت يهيمن على الأشياء المحيطة به كلها،
وزاوية النظر تقطع الشك باليقين بأن الراوي العليم الذي يتحدث بصيغة الشخص الأول، الواثق من
نفسه، الذي يريد أن يعبِّر عن وجهة نظره الخاصة، كان يتطلع إلى الأعلى ليفاجأ بالشيخ الذي يُشبه
ملاكاً هابطاً من السماء، ثم يُوغل في إقناعنا بالمشهد العجائبي حينما يصف لحيته البيضاء، وعصاه
السوداء، المقطوعة من “حَماطة”، أي من شجرة التين.

بهذه الجملة الاستهلالية التي تنطوي على وصف مركَّز ودقيق يتقبّل القارئ هذا الهبوط الفنتازي لأبي العلاء
من جنته إلى الأرض التي يحِّن إليها كثيراً كبقية الشعراء واللغويين والنقاد وبقية المنهمكين في فكِّ أسرار
الحرف وطلاسمه الغامضة. هكذا يحدد الكاتب عبد الكريم كاصد زاوية النظر أولاً، ثم يرسم المسار الزمكاني
لأبي العلاء المعرّي وحركته خلال يوم واحد لا غير، ثم غيابه المفاجئ في صبيحة اليوم الثاني بحيث نكون قد
كوّنا، نحن كقرّاء، صورة كليّة لبنية النص السردي التي أتقنها الكاتب، وهيأنا لأن نخوض معه في
التفاصيل الممتعة التي تقدِّم صورة مشهدية واسعة لما يحدث في الآخرة والعاجلة على حدٍ سواء.

المُلاحَظ أن المَعرّي قد دبّ إليه الملل فالتمس من الله الذي أنزلهُ منزلة الأولياء أن يقوم بزيارة أقرانه
من أهل الأرض التي يحِّن إليها كثيراً ربما أكثر من حنينه إلى الجنة نفسها، خصوصاً وأن الشعراء والأدباء
واللغويين والمترجمين قد أذهلهم السراط المستقيم وأنساهم كل ما انهمكوا فيه من شعر ونثر وحكمة على مرّ
العقود التي عاشوها على وجه المعمورة. لا شك في أن المهيمنة الفكرية لهذا الكتاب هي قصيدة “يا أبا
العلاء!” الذي يصفه بالمُبصِر، وهو الكفيف البصر، كما يحتل عنده منزل الأب الوقور حتى وإن كانت هذه
الأبوّة روحية أو شعرية على وجه التحديد.

في متن النص برمته هناك إشارة إلى نحو مئة شاعر وناثر ولغوي ومترجم ومشتغل في حقل الأدب، وقد أثرت
هذه الإشارات النص بمعلومات غنية، ووقائع شديدة الدلالة والتعبير توزعت بين الشعر، والنثر، والنحو،
واللغة، والترجمة، والمنطق، والحكمة، والقول المأثور وما إلى ذلك. ويمكننا أن نعزو هذا التنوّع إلى
تعددية مواهب الكاتب عبد الكريم كاصد نفسه، فهو شاعر وناثر وناقد ومترجم في آنٍ معاً، كما درس
الفلسفة أيضاً وتمثّلها طوال سنواته الجامعية الأربع الأمر الذي أمدّه بهذا الزخم المعرفي العميق، هذا
ناهيك عن موهبته السردية، وقدرته الواضحة في الروي والتراسل أو التلاقح مع هذا العدد الكبير من
الشخصيات الأدبية التي غيّرت جزءاً ليس بالقليل من ذائقة البشر في مختلف أرجاء العالم.

لا يمكننا بطبيعة الحال الوقوف عند هذه الإشارات كلها على الرغم من أهميتها، لكننا سنكتفي ببعضها
آملين أن العُشر البارز من جبل الجليد سيقود القارئ حتماً إلى التسعة أعشار الغاطسة في الماء، كما
أننا لا نريد أن نكشف حيثيات النص برمته ونحرم القارئ من متعة الدهشة والاكتشاف، خصوصاً وأن النص
مفخخ بالمفاجآت والمواقف المدهشة. ثمة شعراء وأدباء كثيرون لفتوا انتباه المعرّي وكانوا على طرف
لسانه في الحوارية التي أثارها وأججها الراوي مثل الحطيئة الذي انتبذ مكاناً قصياً في الجنة محتفياً
بعزلته الخاصة التي لم تحطّم جدرانها حتى الخنساء التي كانت تجاوره وتسكن علة مقربة من قصره الباذخ.

أما المتنبي الذي ملأ الدنيا وشغلَ الناس فقد صمت واستحال إلى صخرة أو شجرة، وإذا تحدّث فإن حديثة لا
يتجاوز حدود الغمغمة! بعضهم كان يسخر من بلال الحبشيّ، مؤذن الرسول الكريم لأن كان يقلب الشين سيناً
في الآذان فيضحكون عليه، بينما كان هو يصب جام غضبه عليهم وينعتهم بأفحش الألفاظ. غالبية الشعراء
مطرقون في الجنة بسبب الأهوال التي صادفوها في يوم الحساب.

وحتى الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي كان يعتبر أذكى العرب لم يتذكر الأبيات التي دبّجتها أنامله ذات
يوم. يتوقف المعري عند استقبال الجواهري الذي أثار حفيظة الشعراء لأن الله جلب له الملائكة والجن في آنٍ
معاً. كما تحدث عن أمرؤ القيس والرصافي والزهاوي وبدر شاكر السياب الذي يهمس في جنته بصوت خفيض
“بويب، بويب”. لم يتوقف عند هؤلاء الشعراء حسب، بل تعداهم إلى بعض شعراء الفرنجة المشهورين مثل
رامبو وفرلين المتلازمين تلازم الشنفرى وتأبط شراً. يلعب الراوي ومؤلف النص لعبته الذكية في تحريك
مسار الوقائع والأحداث حينما يسأله عن رغبته في لقاء بعض الشعراء الأحياء فيردّ عليه بالإيجاب ويفتح
من خلال هذه الموافقة باب الانتقادات التي تصف واقع الحال أكثر مما تأخذ طابع التجريح الشخصي.

فشعر أدونيس مثل اسمه “فرنجيّ عربيّ في آنٍ واحد، فهو يتقعّر ويتثاقف، ويستعرب ويستغرب، فلا تدري أهو
شاعر عربيّ أم فرنجيّ”؟ وعبد المعطي حجازي لا عطاء له سوى قصيديتن كتبهما في غفلة من الزمن، وسعدي
يوسف الذي يحارب نفسه، كما يقول الراوي، أو يحارب طواحين الهواء! تكمن أهمية هذا النص في الشذرات
التي يبثها الكاتب سواء من سيرته الذاتية أو الحياة العامة التي تحيط به في لندن أو التي تشير إلى بلده
العراق وبقية الأقطار العربية، وبالذات حينما يتحدث عن الشعراء العرب الهاربين من أوطانهم بسبب
الاستبداد المتواصل الذي يعانون منه.

فبواسطة جنة أبي العلاء سوف نطل غير مرة على جوانب مهمة من السيرة الذاتية للراوي وكاتب النص
نفسه، وسنعرف أيضاً بعض المهيمنات الفكرية والسياسية والاجتماعية للعراق خلال العقود الخمسة الأخيرة
في الأقل. يكشف هذا الكتاب عن ولع الراوي وكاتب النص بالتفاصيل الدقيقة لحياة المعرّي. ففي هذا
الفصل سنعرف أن المعري لا يحب المتصوفة، بل أنه يراهم شرّ جيل على حد قوله في البيتين التاليين: “أرى
جيل التصوف شرّ جيل / فقل لهم، وأهون بالحلول / أقال الله حين عشقتموه كلوا / أكل البهائم وأرقصوا
لي”.

ومع ذلك فهو يتوقف عند بعض الصوفيين المعروفين مثل الغزّالي والحلاج والبسطامي وطيفور وابن كثير. ربما
يتصور بعض القرّاء أن هذا الكتاب ينطوي على تصفية حسابات بين مؤلف النص وبعض خصومه من الشعراء
والأدباء والمترجمين، ذلك لأن النص يغصّ بهم، ويعرّيهم كاشفاً عن أخطائهم الجسيمة في الترجمة على وجه
التحديد، ومسلطاً الضوء على نزاعاتهم الشخصية، وخلافاتهم على بعض الأمور الثقافية والفكرية. ومن بين
هؤلاء مترجم عربي ترجم مختارات شعرية امتدت لمدة مائة عام لمن هبّ ودبّ بحسب رأي كاتب النص، كما أشار
إلى خصومة هذا المترجم مع الشاعر المشهور الذي اختار لنفسه اسماً فرنجياً.

أما ذريعة كاتب النص في الإشارة إلى هذا المترجم والشاعر في الوقت ذاته والذي “يكتب عن البياض”، أن
هذا الأخير لم يضمّن في مختاراته شاعراً فرنسياً مثل فرانسيس جام الذي كتب قصيدة مشهورة تحمل عنوان
“صلاة من أجل الذهاب إلى الجنة مع الحمير” التي تنال إعجاب المعري الذي يحب الحيوانات أيضاً وقد ذكر في
لزوماياته “الحمامة، والديك، والثعلب، والأسد، والنحل والغراب، والذئب” لكنه لم يذكر الحمير، ولم
يشر إليها من قريب أو بعيد. قلنا إن الشاعر عبد الكريم كاصد قد درس الفلسفة وتمثلها جيداً
فلاغرابة أن يتوقف عند بعض المواقف اللافتة للانتباه مثل موقف الشيخ عبدالله العلايلي الذي ناقش
فلسفة المعرّي “التي لا تنحو نحو وحدة الوجود، بل وحدة الموجود” التي لم يفهمها لا المعري ولا مُحاوِره
الذي لم يدرك أسرار الفلسفة، ويعرف دروبها الشائكة العصية. يختم الراوي هذا الفصل بقراءة بعض
القصائد التي كتبها عن ثعالة والديك وما رواه المعرّي عن ابن القارح. وحينما شعر بتعب ضيفه الذي
قطع أقطار السماوات طلب منه أن يستريح ليواصل رحلته في النهار الأول.

*تقنية النص

يعرف عبدالكريم كاصد أن تقنية النص قد تكون أهم من المضمون في كثير من الأحيان، لذلك نراه يتفنن في
كيفية قول الفكرة أو صياغتها ضمن المسارات السرديّة المرسومة سلفاً. ففي فصل “النهار الأول” ينام
المعرّي نوماً عميقاً بلا أحلام بعد رحلته المضنية، أما مُحاوِره فقد حلُم بالدار الآخرة ووجد أنها موحشة
قفراء، بل إن الشعراء يشكون من ضجر الملائكة وسوء فهمهم، لكي يقول لنا بأنّ الجنة نفسها لا تخلو من
المنغِّصات، وليس هناك مكان آمن للكائن البشري.

وعلى الرغم من اكتظاظ هذا الفصل بأسماء العديد من الشعراء واللغويين والمترجمين العرب والأجانب مثل
المتنبي وأبي تمّام وأمرؤ القيس وعدي بن زيد والأصمعي وأبي ذؤيب الهذلي والأعشى والنابغة الجعدي وآوس
بن حجر ورامبو وفرلين وخليل الخوري إلا أن التركيز يكاد يقتصر على رامبو ومترجمه خليل الخوري، فهذا
الأخير الذي يشرب الخمر براحتيه من أنهار الجنة يكلّف نفسه بما لا يطيق في إشارة إلى الضنك الشديد الذي
يواجهه في الترجمة، وقد ارتكب أخطاءً شنيعة حينما ترجم قصيدة “ديمقراطية” إلى العربية فجاءت ركيكة،
مفككة وغامضة وحجته في ذلك أنَّ رامبو شاعر غامض يكتب نصوصاً معقدة لا يمكن سبر أغوارها من خلال
القراءة الأولى.

بينما يرى عبد الكريم كاصد أن هذا النص سلس وقد ترجمهُ بالفعل ترجمة أمينةً منسابة تدلِّل على فهمه
العميق لهذا النص الشعري. نكتشف من خلال هذا الفصل أن عبد الكريم كاصد قد التقى بخليل الخوري في
دمشق أيام دراسته الجامعية وأورد حادثة جديرة بالذكر مفادها أن الخوري قد قذف أحدهم في لحظة سُكر
برأس تمثال وأصابه فهرب ولم يستطيعوا الإمساك به “لأنه تحوّل إلى غزال مذعور”! يقرّر المُحاوِر أن يأخذ
صاحبه المعرّي إلى إجوار رود بالباص، ويقترح عليه أن يأتي بملابسه القديمة التي لا تبدو غريبة في شارع
الجاليات العربية.

يمزج عبد الكريم كاصد في هذا النص السردي بين الرواية والسيرة الذاتية وفن الرسائل المكتوبة على
غرار رسالة الغفران. وعلى الرغم من نجاحه في هذه التقنية الفعّالة إلاّ أنَّ وقائع سيرته الذاتية هي
التي تطغى هنا وهناك، ذلك لأنها تضرب في الصميم وتساهم في تعزيز بنية النص الأدبية والفكرية.

فحينما يسأل المعرّي مُحاورِه إن كان قد جرّب ركوب الدواب من قبل، فيجيبه بأنه ركب الجمل حينما هرب
من العراق إلى الكويت عبر الصحراء واستغرقته الرحلة أسبوعاً كاملاً. لا يسرد كاصد أية واقعة من دون
مسببات، لأنه يعرف أن السببية تُخرج الحكاية من ثوبها الحكائي لتُلبسها لبوس القصة.

كما سنعرف بعد قليل بأن الشاعر عزيز السماوي، الذي يمحض صديقه عبد الكريم كاصد حُباً من نوع خاص،
هو الذي أخبر المعرّي بهذه المعلومة المُستقاة من سيرة المُحاوِر الذاتية التي تخرج غالباً من إطارها الذاتي
إلى الموضوعي. يعزّز عبد الكريم كاصد نصه السردي بالعديد من الوقائع والقصص المثيرة للانتباه مثل
شعراء الجن المؤمنين المولعين بالألفاظ الغريبة الحوشية وعلى رأسهم “الخيثعور” وقد ذكّر الكاتب مُحدِّثه
بالبيت الشعري الذي كتبه عنهم في العاجلة ومفاده: “وقد كان أربابُ الفصاحة كلّما / رأوا حسناً
عدّوه من صنعة الجن”.

يحمد المعرّي الله لأنه أبقى على نظره لكي يرى بعينين مفتوحتين كدأب أهل الجنة الذين يرون الأشياء
البعيدة على بُعد أميال، وهي حجة ذكية لكي يقنعنا بها الكاتب لينتقل في الحديث عن المستشفيات
الحديثة التي أعادت له النظر غير مرّة ولم يُحرم من متعة القراءة التي لولاها لتحولت الحياة إلى دار
بلقع. يتوقف الكاتب في هذا الفصل عند عدد كبير من الشعراء مثل أبي نواس، وعمر بن أبي ربيعة،
وبشار بن برد، وجلال الدين الرومي، والحلاج وغيرهم، لكن نزار قبّاني يأخذ حصة الأسد على الرغم من
الانتقادات الشديدة التي يتعرض لها هذا الشاعر الوسيم الذي أحدث ضجة كبرى في أثناء قدومه إلى الجنة.
ثم يعرِّج الكاتب على دانتي الذي ألفّ كتاباً شبيهاً برسالة الغفران للمعرّي، وينتقد بشدة المترجم حسن
عثمان ويصف عقليته النقدية بالمعطَّلَة، ثم يطوي صفحة هذا الفصل بكشف أخطاء أحد المترجمين الذين يترجمون
“البوّاب” بالمفوّض السامي، و “الكلاب البكينية” ببطات بكينية، ويحوّل المركب الواحد في ترجمته إلى
“قوارب نهرية عديدة” وما إلى ذلك من أخطاء فاحشة لا يمكن تجاوزها أو السكوت عليها بأي شكلٍ من
الأشكال.

لا يقل فصل “العودة إلى البيت” أهمية عن الفصول السابقة، ففيه يعود الكاتب مع أبي العلاء المعرّي إلى
البيت بواسطة قطار الأنفاق الذي بدا مكتظاً بعض الشيء، لكن المعرّي لم يرتبك لأن معه خير الأدلاء. وفي
البيت طلب من مُحاورِه أن يقرأ له بعضاً من أشعار المتنبي والطائي ونونية البحتري التي يقول مطلعها:
“عناني من صدودكِ ما عناني / وعاودني هواك كما بداني”.

ثم يسأله عن السيّاب الذي كان منغمساً في بيوبه في الجنة، لكن عبد الكريم كاصد يعرف كيف يقود ناصية
الحديث إلى مقاصده التي تخدم بنيه نصه السردي فيتذكّر بين أوانٍ وآخر فضل المنفى عليه، ولولا عنايتهم
به لفقدَ البصر، وهو بالنسبة إليه أثمن شيء في الوجود. كما يعرِّج، كلما استدعت الضرورة، للحديث عن
الخراب الذي الذي اجتاح البلاد، وضربها في الصميم، ولولا الأهل والأحبة لما زارها ثانية، خصوصاً وأن
البلاد قد تحولت إلى ساحة حرب، وتلاشى فيها الأمن والأمان.

ثمة أسباب كثيرة لخراب البلاد يتوقف عندها كاتب النص ومبدعه عبد الكريم كاصد من بينها الحروب، وفساد
الساسة الجدد، والأحزاب الدينية التي أذكت النوازع الطائفية، والقوات المحتلة التي تركت العراق
يواجه مصيره الغامص بعد أن شتتته، وحولت مدنه الجميلة إلى أكداس مزابل ترتع فيها الجراثيم
القاتلة. يضم هذا الفصل مثل بقية السابقة عدداً كبيراً من الشعراء من بينهم الحلاج، وصلاح عبد
الصبور، والشبلي، وجرير، والفرزدق، وأحمد شوقي، والبردوني وغيرهم من الأسماء المهمة، ولكنه يوجز هذا
الاستطراد بما يشبه القول المأثور حينما يقول: “ما أوحش الإنسان أن يكون شاعراً أو يتذكر أنه كان
شاعراً ولا يقدر على كتابة الشعر” ثم يتوقف عند عدد آخر من النقاد الذين يركبون كل موجة بغية
الحصول على أكبر قدر من المغانم قبل أن يحيط مُحاورِه علماً بأن الملائكة قد تهبط في أية لحظة وتعيده إلى
الجنة، فوجوده على الأرض هو مجرد وجود جسدي، وليس روحياً.

في صبيحة اليوم التالي نكتشف مع كاتب النص غياب المعرّي مُخلّفاً وراءه فراغاً هائلاً يطوي القصة برمتها
ولا يترك لنا سوى القصائد التي قالها الشاعر المُحاوِر بحق أبي العلاء المعرّي. ختاماً لابد من القول بأن
كتاب “جنة أبي العلاء” لعبد الكريم كاصد هو إضافة حقيقية للمكتبة العراقية خاصة والعربية بشكل
عام، ذلك لأنه أحيا فن “الرسائل” بصيغة روائية تتجاوز ما هو مألوف ومتعارف عليه من أعمال أدبية
سردية. ولابد من الإشارة إلى أن هذا الكتاب القيّم صادر عن “دار التكوين” بدمشق، وقد زيّنت غلافيه
الأول والأخير لوحة مميزة للفنان العراقي ستار كاووش، المقيم في هولندا حالياً.


شاهدي أيضاً :



تعليقات الفيسبوك