“ظلام النهار”… حكاية تراث لمنطقة السواحرة

منوعات
517
0



حكاية خليل الأكتع لم تبق ولم تذر من التراث الفلسطيني الريفي، وخاصة تراث سكان المناطق الأقرب إلى الحياة البدوية، وتراث أي شعب يشمل الأقوال والأفعال والمحفوظات والمعلومات والتعليم والثقافة والتصرفات اليومية والموسمية وفي المناسبات والغناء والحداء وتعابير الوجه والجسم وحركات الفرح والحزن والنعي.إن اختيار جميل السلحوت الشخصية الثقافية لمدينة القدس هذا العام وللمرة الأولى، نتيجة متابعته للحركة الثقافية وتشجيع النشاطات الثقافية لأكثر من عشرين عاماً وبلا كلل ولا ملل ولا . والاحتفال بجميل السلحوت هذا العام سيكون ديدنا وعلامة فارقة في التاريخ الأدبي الفلسطيني، وخاصة في مدينة السلام المقدسة، عاصمة الفلسطينيين ورمز توحدهم وتكاتفهم ونقطة التقائهم وتفاهمهم الأبدي.

في ظنّي أن جميل السلحوت مؤلف رواية (ظلام النهار) فكر ودبّر محاولاً أن تحتوي روايته كل تفاصيل تراث منطقة السواحرة وبإسهاب مطول في إظهار الحسنات والكرم والبساطة والعيوب والظلم الذي كان يحصل في الفترة التي تمثلها الرواية، وشملت الرواية على أنواع الغناء وبنماذج مطولة ومتنوعة منها، ربما قصد أن ينتهي من إرضاء نفسه بتغطية كاملة في عرض تراث منطقته التي نشأ بها كشاهد على العصر، كي يتمكن من التفكير في معالجة موضوع آخر في رواية تالية، وخاصة في منطقتة التي ولد بها وعايشها والتي تمتد من أطراف القدس الجنوبية إلى بيت لحم وبيت ساحور حيث تتلاصق أو تندمج مع عشائر العبيديّة جنوباً، وإلى البحر الميت شرقاً، هذه المنطقة الاستراتيجية العزيزة في قلب فلسطين والتي تحضن مدينة القدس من الجنوب ومن الشرق هي في عقل كل فلسطيني.

وهي الخاصرة الأقوى لمدينة القدس، ولأنها متواصلة مع الأراضي العربية شرقاً، وتشمل منحدرات جبال القدس صوب سهول الغور لتنتهي عند شاطئ البحر الميت ونهر الأردن الذي يصب فيه، و احتواؤها على جبل المكبر الاستراتيجي من كل الوجوه جنوب المدينة المقدسة، والذي اختارته بريطانيا ليكون مقر الحاكم البريطاني في فلسطين على قمته بعد قرار هيئة الأمم بانتداب بريطانيا حاكماً مؤقتاً على فلسطين، وذلك بحجة تهيئة شعبها لتأسيس حكومة مستقلة بعد زوال الحكم العثماني نتيجة هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، لكن وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو بين الدولتين المنتصرتين والاستعماريتين في تلك الفترة بريطانيا وفرنسا، أظهرت أن تفاهمهما كان على حساب العرب لتفرقتهم، وإضعاف الروح القومية والوحدوية لدى عرب منطقة الشرق الأوسط، ولإبعاد الشعوب العربية عن بعضها، وتمزيق وإنهاء الوحدة التي كانت تجمع الأقاليم العربية لما يقارب أربعة عشر قرناً منذ حكم الخلفاء الراشدين ثم الأمويين ثم العباسيين ثم العثمانيين.

حيث كانت كل البلدان العربية وشعوبها كياناً واحداً، وجزءاً من الامبراطورية العثمانية، لا حواجز ولا فواصل بين أي إقليم عن إقليم آخر، لا بحدود ولا بجنسيات مختلفة، والأمر لم يقف عند تقسيم العرب إلى دويلات هزيلة، بل لحق الظلم بإقليم فلسطين، فوعد بلفور البريطاني للصهيونية بتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين زاد من مشاكل الفلسطينيين ومن عذاباتهم في ديارهم، وأعاقهم عن التقاط ركب التقدم العلمي والنضج السياسي الجمعي، وحرمهم من تطوير أنفسهم وبلادهم وتراثهم، وأخّر ترابطهم الاجتماعي والوعي السياسي، فعاش الناس في أقاليم فلسطينية غير مترابطة.

كما أراد لها المستعمر البريطاني، حتى إن التنقل من منطقة لأخرى داخل وطن صغير كفلسطين كان يعتبر غربة، يتطلب جهداً كبيراً للتكيف معه، وحرص الحاكم البريطاني على أن يبقى الجهل في المجتمعات الفلسطينية وخاصة القرى والأرياف والبادية، ومجموعهم يشكل الغالبية العظمى من سكان فلسطين في تلك الفترة، وكأن الحكم العثماني لم يزل، بل تم استبداله بحكم أسود وأسوأ.ورواية جميل السلحوت المعنونة (ظلام النهار) تمثل الوصف الصادق لمعظم هموم غالبية الفلسطينيين في القرى والأرياف، وخاصة تلك التي تعيش على حواف البادية في فترة سلطة المندوب السامي البريطاني على فلسطين.

وخلال السنوات العشر الأولى من ضم الضفة الغربية للمملكة الأردنية الهاشمية، حكايات متشابكة، وكأنها فنتازيا الأساطير، تختلط الأحلام فيها بالآمال وبما يتحقق أو يمكن تحقيقه على أرض الواقع مع ماهو جامد متخلف مستحكم في الأرض والعقول، وحكاية خليل وعذاباته والتي نتج عنها فقدانه لذراعه الأيمن نتيجة اعتقاد الناس أن هناك كسراً في يده، ثم القيام بتجبيره من قبل شخص جاهل كل مؤهلاته أنه يقوم بتجبير كسور سيقان الحيوانات كالغنم والبقر، وتكشف الرواية كامل المستور من التراث المعتق والقائم على ظلام الجهل والتخلف.

وتمهد للإيحاء بأن ما جرى للفلسطينيين من ظلم وشتات يمكن إرجاعه جزئياً نتيجة لتخلفهم عن العلم والمعرفة، والإصرار على متابعة هذه الحياة اليومية في ظل ظلام الجهل والحكم الديكتاتوري الظالم، وربما كان هذا سبب تسمية الرواية ب (ظلام النهار)، وكل هذا الإصرار على العيش اليومي والفكر المتخلف نهاراً، سهل على المستعمرين والصهاينة التأمر عليهم في غفلة من الزمن وخلال فترة قصيرة، ثم ما تبع ذلك من تهجير وحرمان من كل مقومات الحرية والديمقراطية والأمان والكرامة للفلسطينيين على أرضهم وضمن بلادهم، وحكاية خليل الأكتع وتطوره هي مثال مقارن ليظهر للقارئ أن الجهل والتخلف هو عدو التجديد والتقدم والحداثة، واختلف الوضع كثيراً بالنسبة لعائلة خليل حين درس وتعلم وسافر واختلط بالأجانب.

فكان قطع يده نعمة على أسرته ومؤثراً في مجتمعه في النتيجة النهائية، وتطور السرد الروائي يظهر المواقف الكثيرة للظلم الذي كان يحيق بالناس ككل، وبأفراد أو بفئة دون أخرى من إجحاف وتحكم، مثل معاملة الرجال للنساء، وكما جاء في الرواية حين يخاطب الزوج زوجته ((انصرفي، وبعد طلوع الشمس بيحلها الحلال، الله يلعن أبوك على أبوه)) صفحة 77 ثم جاء في الصفحة 156 الأب يخاطب ابنته (( يا بنت!.. دم يفزر عينك، ارجعي ورا الزلام، الحريم ما بيمشين قدام الزلام ، فتجيب الطفلة والدها قائلة: بدي ألعب مع عروستي (دميتي) يابا، فيجيبها: عمرك ما لعبت، لا أنت ولا اللي خلفتك، بنات آخر وقت.)).

وخليل الطفل برغم تطوره بعد زيارته لبريطانيا وتفريطه بالثروة التي فاز بها من رحلته حين سلمها لوالدته، ثم قامت هي بتسليم المبلغ الكبير لزوجها، على أمل أن يحسن معاملتها، ويقدمها على ضرتها أمّ كامل، أو يعاملها مثلها، وعلى أمل أن يغير الوالد من عقليته، إلا أن الجهل يبقى متأصلاً في النفوس والأمثلة كثيرة في الرواية، ولكن أهمّها وأشدّها ضرراً على المجتمع مثال الحاج عبد الرؤوف الذي عرف عنه أنه ماهر في تجبير سيقان الغنم إن أصابتها الكسور، وبعدها صار يجبر عظام البشر التي يصيبها الكسر.

والمثال الأسخم الآخر الفتاحة الساحرة المضللة أمّ خالد، والتي وصفت براز الحرذون لعلاج رمد عيني خليل، مدعية أن جنياً كافراً تسرب داخلها، وتصور ذاك الاختيار الخبيث في وصفة براز الحرذون، لصعوبة الحصول على براز حرذون أولاً ثم لجهل الناس وندرة مثل ذلك وعدم تفكير أحد بوصفة كهذه، والناس البسطاء صدّقوها حين قالت لهم إن الحرذون مؤمن، لأنه يركع ويحرك رأسه وجسمه للأعلى وللأسفل حين يقف للصلاة كالمسلمين.

وأشدّ الأمثلة قسوة على المجتمع هو تزويج طفلة بعمر اثنتي عشر عاماً على الرغم من رفضها الزواج وتعلقها بالمدرسة والتعليم، لكن رفضها الزواج لم ينفعها ولم تتمكن والدتها أن تشفع لها، فنفذ والدها كلامه بتزويجها، وبطريقة غير قانونية لصغر سنها، وبحيلة تمسّ بشرف العائلة لو انتشرت بين الناس، ثم ما حدث لها ولأسرتها بعد ذلك من عذابات وعناء وفي نهاية الرواية، ورد الحوارالتالي عن الوصفة الأخيرة واليائسة للحكيمة المداوية أمّ خالد، فقررت طرد الجني الكافر من جسد الطفلة بالضرب الشديد، حتى تتحرر من الجني، بخروجه من جسدها، فيقول شقيقها خليل في حوار مع والده حول شقيقته زينب((اما سمعتوها شو قالت؟ – شو قالت؟- قالت اللي ما بيجي بالمليح بيجي بالعصا- وشو فيه حكيها هذا؟- بتطلب منك تظل تضرب في زينب بالعصا حتى تشفى من الجني اللي راكبها، وهي بتقول الجن الكافر ما بيطلع إلا بالضرب، أي والله مافيه كافر وهي موجودة، وإذا ماتت البنت من الضرب المتكرر كل يوم، وعرفت الشرطة في الموضوع فإن الشيخة رايحة تقول: أنا ما لمستها، أبوها ضربها، وبعدها بتطلع انت مجرم وقتال قتلى يا أبوي، تجيب فاطمة (أمّخليل) ووالدة البنت: – الحمد لله البنت رجعت عال العال ونحمدك يا رب ودشرونا من هالسالفة)).

وهنا تنتهي الرواية بهدنة، وليس بحل جذري لمشاكل الأسرة والناس ولا بمبادرات بتسوية أو ملامح حلول مقترحة، أو نافذة لدخول النور، بل بالسكوت على المحظور، وإبقاء الأمور والظلام مخيماً على عقول الناس وتصرفاتهم، وبتأجيل بحث الهموم لوقت آخر، أي أن لحياة منطقة السواحرة المزيد من القصص ومكاشفات ستتبع في رواية وحكايات جديدة حسب تخطيط الكاتب، وهكذا كان، إذ صدر للكاتب جميل السلحوت رواية ثانية بعنوان (جنة الجحيم) وكأنها متابعة لحياة الناس من سكان تلك المنطقة، وما زال كاتبنا جميل السلحوت يكتب المزيد من الحكايات بسرد جاذب جميل، لكنه محزن يحز في النفس ويؤثر في مشاعر القارئ، بحيث يندمج في الدور ويتحسر على هموم الناس التي أوصلتهم لمزيد من حياة النكد والظلام والتشرد، وعدم الاستقرار في أمان على أرضهم.

وفي الختام فإن كاتب هذه السطور لولم يزر بريطانيا مرات عدة لتمنيت أن أعيش بها أو أزورها على الأقل لكثرة تجميل صورتها في الرواية، (لكن ما حيره أن كلاب لندن لا تنبح، ولا تحاول أن تنهش المارة، حتى إن المارة يمدون أيديهم ويمسّدون رأس الكلب الذي يحاول أن يشمهم ويتقرب منهم، بلاد عجيبة، أهلها عجيبون، وكلابها عجيبة أيضا) الرواية صفحة 20 ويتابع خليل وصفه (تمنى لو أن بلاده خصبة دائمة الاخضرار مثل لندن، حتى تستطيع الأغنام أن تجد طعامها بسهولة، وتمنى لو أن بلاده غنية مثل بريطانيا حتى يستطيع شعبه أن يلبس وأن يأكل، وأن يسكن بيوتاً فاخرة مثل البريطانيين… الخ) ص 20.

وهناك تعديل أساسي اقترحه وهو جعل رحلة خليل لبريطانيا تكون وعمره 16 أو 17 سنة، لتكون تصرفاته أقرب إلى الواقعية والنضج الذكوري، وليس وهو ابن 14 سنة كما جاء في الرواية، لأن لاإبن ال 14 في بريطانيا ولا 16 ولا حتى عمر 17 يسمح له بدخول النوادي الليلية أو البارات بشكل قانوني او طبيعي، وطفل بهذه السّن لا يفكر بهذه الطريقة الرجولية الاشتهائية الاندفاعية الناضجة، والتشديد في بريطانيا أكثر من أي بلد أوربي آخر.

هذا من ناحية ثم إن الولد العربي ابن 14 يكون جاهلاً ولا يستطيع أن ينطق أو يتصرف كرجل مع النساء بسبب التراث والتربية والضغط الديني والأسري والتقاليد، وسرعة تجاوبه مع الفتاة البريطانية التي كانت في مكان عام للتعري أو نادي سترب تيز (العراة)، وسرعة ثقتها بطفل وتجاوبها وانسياقها له وتحت تصرفه وأخيراً صحبته إلى بيت أهلها، هو أمر مستحيل وبعيد عن الواقع، ليس لأن والديها لا يعطيانها الحرية، بل لمرافقة طفل لا يجيد لغتهم وبيد مقطوعة، وكأن بريطانيا خالية من الشباب والرجال الشبقين، فلو كانت تلك الفتاة بعمر الأربعينيات فما فوق لقلنا أنها تريد أن تستغل شاباً للاستمتاع بحيويته وشبابه كنوع من الانتهازية الأنانية، أما انجذاب فتاة بريطانية شابة وجذابة لعربي جاهل في اللغة والتراث والتقاليد البريطانية أمر مرفوض في عقليتهم ومستبعد على أرض الواقع، والمنطق لا يقبل ذلك.إن إقحام بعض من أفكارنا المستحيلة في الروايات فتتم في حالة كون حكاية الرواية وأماكنها وشخوصها هي خيالية أو في اللامكان واللازمان.

أما إن شاء كاتب الرواية فرض مواقف معينة في الرواية لصالح الحكاية فسيحاول جعل الأحداث تجري بشكل يمكن تصديقه، أو يكون أقرب إلى الواقع، حتى لا تحدث الغرائب شكّاً صادما يعيب الإنجاز الروائي الجميل ككل.إننا نعرف مدى غيرة كاتبنا جميل السلحوت على شعبه وأرضه ومدينة القدس، ولأن هذه الرواية كانت أولى رواياته، فقد أراد من السارد العليم في الرواية أن يكون بطلا مؤثراً وحاكما قاسياً يعرّي عيوب شخوص الرواية ومجتمعهم الذي يعيشون فيه، وبقسوة وإصرار منه، حتى أنه لم ينس أن يذكرنا بأن أمور الإنسان العربي في تلك الفترة كانت تحل بفنجان قهوة مثلاً أو بنخوة شيخ أو كبير في السّن، أو أن يحلف على شاربه أن ينفذ ما يعد به، ولو أدّى ذلك لخسائر كبيرة وأضرار عليه وعلى حياته.

وقد يتعدّى ذلك إلى التضحية بقوت عياله بالنخوة وعمل الولائم والمناسف حباً في الظهور، مع أن أسرته محرومة من مثل تلك النعم في النهارات العادية، فجميل السلحوت بإخلاصه وغيرته على وطنه وشعبه أراد أن يصدم كل مطلع على روايته، على أمل أن يساهم كل قارئ في توعية الناس ونقدهم على تصرفاتهم التي أثرت على حياة شعبنا سلباً وبشكل تراكمي شديد الإضرار.


شاهدي أيضاً :



تعليقات الفيسبوك