ماذا يحدث عندما يبدأ ظل الإنسان في الانكسار

منوعات
642
0

ماذا يحدث عندما يبدأ ظل الإنسان في الانكسار

“ماذا يحدث عندما يبدأ ظل الإنسان في الانكسار، وتبدأ رياح النسيان تهبّ على ذاكرته؟، و”كيف يحيى الذين أصابهم مرض الزهايمر حين تكون الدنيا لحظة تنطفئ ساعة ولادتها كشهاب راجم. تذوب الذكريات والأسماء والأحداث كما يذوب الملح والسكر كمن يقود سيارة دون مرايا عاكسة.

في ليونة العنق حكمة الالتفات الى الوراء، لا يتحمل الانسان السير في نفق تلفه العتمة من كلّ جانب ولا يرى من النفق إلا كّوته الاخيرة كأنه يهوى في مكان سحيق لا يرى منه إلا موقع الارتطام، تهب رياح الزهايمر سنينا حسوما على رمال مخابئ الذكرى فتمحو الآثار وتدفن الاحداث وحتى الاسماء البسيطة فلا يبقى داخل الجراب الا حدوة كثيب ميت يلفه اليباب. الذكرى رجع الحياة تتردّد فيه ترانيم الوجود كجوقة في مسرح اغريقي كما الظلّ رجع الضياء يستويان في الوضوح واليقين؟”، (الرواية ص47).


“حين تلوح الذكرى يحدث للإنسان أن يحدّق دون أن يبصر.. له عين مبصرة للكون وأخرى مبصرة في ذاته، يرى بها آبار الذاكرة. أين مكمن الذكرى؟” (ص 45)، كيف يمكن أن يحوّل الإنسان الزمن الفاعل إلى مفعول به؟، البعض يتعب من مجارات هذا الصراع، فيترك الزمن يعبث بهواه في مخزون الذاكرة، والبعض الآخر يتحدّاه ويقاومه وينتصر عليه حين يعرف كيف يحوّل الانسان الانكسار إلى انتصار؛ وإلى هذا الصنف تنتمي رواية “انكسار الظل” للكاتب التونسي د. نصر بالحاج بالطيب، التي صدرت مؤخرا عن “الشركة التونسية لتنمية فنون الرسم”، وقدّم لها الروائي د. محمد الباردي.

هذه الراوية هي النص الثالث للطبيب الجراح والكاتب نصر بالحاج بالطيب، وفيها ينتهج نفس المنهج الذي سلكه في عمليه السابقين: “زعفران” (مجموعة قصصية) و”الأيام الحافية” (رواية)، حيث يزيح بمشرط الطبيب الغشاء عن حكايات متفجّرة من قلب الصحراء التونسية، فيوقظ ذلك “الطفل” الصغير الذي يسكن بداخلنا ويأبى أن يكبر يجذبنا إليه مع كل لحظة تمر من حياتنا، ويذكّرنا بالشباب حين يبدأ الشيب غزواته؛ ويفتح بقلم المبدع ذاكرة البلد، و”يالها من مغامرة عندما ينقطع طبيب عن فحص مرضاه ولو لحين لينخرط في لعبة التخييل والتمثيل، ويحل القلم عنده محلّ المشرط”،1، لينتج عن هذا التداخل بين الطبيب والكاتب، والتزواج بين المشرط والقلم متن أدبي “ديناميكي” مزج بين أسلوب القص الروائي ومتعة المذكّرات الشخصية في رواية هجينة” كما وصفها الدكتور محمد الباردي في تقديمه.

ونجح الكاتب في أن يوزاي بين الشكليين الأدبيين من خلال نص لغته سلسلة بسيطة تختلف قوتها ومفرداتها باختلاف المتحدّث، فهي لغة جنوبية صحراوية عندما يتحدّث أحد “المرازيق”، هذه “المجموعة البشرية” من أهالي دوز التي ينتمي إليها الكاتب، وهي لغة المثقفين “المنمّقة والمليئة بالاقتباسات الشعرية والأدبية والسياسية” عندما يتحدث بها الكاتب أو تتحدّث بها إحدى الشخصيات المتعلّمة من أصدقائه… وهي لغة الشاعر والرسام والمصوّر حين ينغمس الكاتب في ذكرياته ويتحوّل إلى ذلك الولد الذي عاش طفولته وشبابه بين ربوع دوز، وهي لغة الفيلسوف والمفكر حين تتمرّد الشخصيات على انكسارات الحياة.

– رواية المكان

وحده الإنسان قادر على أن يصارع الزمن، ويسخر من قوته ويقلب موازين القوى عندما ييأس من بلوغ الخلود، بمفهومه التقليدي الجسدي، فيغدو باحثا عن خلود آخر وجد طريقه في مختلف مجالات الابداع، من فلسفة وشعر وفكر ومسرح ورواية وأدب وفنون…

الإنسان المسكون بالزمان والمكان في علاقته مع ذاته ومع العالم المحيط به كان حاضرا بقوة في هذه الرواية التي تنطلق أحداثها من الصحراء وبالتحديد من مدينة دوز، بالجنوب التونسي، لترسو بنا رحلة الحياة في “انكسار الظل” في مرافئ عديدة من تونس، وتقف بنا عند نقاط فاصلة من تاريخ تونس ومن الوطن العربي في إحدى أهم الفترات وهي فترة الستينات.

في “انكسار الظل” كان ابن دوز هو الحاضر عبر زمن تاريخي يمتد على أربعة عشرة فصلا، هي لمسة وفاء إلى الأرض التي أنجبت نصر بالحاج بالطيب وهي قصيدة عشق في دوز بكل أفراحها وأتراحها، آمالها وخيباتها، جمالها و”قبحها”، حنانها وقسوتها، حياتها وموتها.

و”انكسار الظل” وقفة تأمل أو هي وقفة تحدي في وجه الزمن الحاضر، باستحضار الزمن الماضي بأدق تفاصيله، وبحث عن هذا التضاد المفقود في حياة اليوم الذي يجعل للحياة معنى رغم الوضع البائس والفقر كانت كل الألسنة تلهج بالحمد والشكر، ورغم قوة الطبيعة الصحراوية وجفائها إلا أنها لم تقتلع حب دوز من قلب أبناءها حتى أولئك الذين ذاقوا ترف المدينة ورفاهيتها، بل بالعكس كلنا انغمسوا في حياة المدينة إلا وازدادوا التصاقا بـ”دوز”.

“الكتابة دواء للنّسيان واحتجاج على الزّمن…، ولقد كتبت هذه الرواية سيرة مدينة دوز وتحديدا حيّ العبادلة في فترة الستينات وأعادت للذاكرة تفاصيل الحياة اليومية زمن التعاضد تلك التجربة المرّة التي قادت تونس إلى الخراب؛ ولم ينس الرّوائيّ أن يعبر في هذا العمل البديع التحولات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها دوز وتونس والمنطقة العربية.

في هذه الرواية يعيد الكاتب صياغة معمار مدينة دوز عندما كانت قرية من نزل المهادية إلى قاعة الطلما يارة إلى الغيطان إلى دار الشعب إلى عليوة العراسة والجراف وهي معالم امحت تماما ولم يبق منها سوى الذكريات في قلب الروائي الذي كتب انكسار الظّل بعقلية طفل وبراءته وهل هناك شرط للكتابة أكثر من ذلك؟”.2

أحداث “انكسار الظل” تبدأ في فترة زمنية بعينها، ربما هي تمثل نقطة فاصلة في ذاكرة الولد/الشاب/الطبيب/ الكاتب نصر بالحاج بالطيب، هي فترة الستينات التي عرفت فيها تونس تجربة التعاضد التي كان وقعها قاسيا على كثير من التونسيين: “مازال سي الهادي بن عامر والصادق لسود يجرّان أذيال الوجع الجنائزي الذي ألمّ بهما حين جاءت لجنة من تونس. أحصت كلّ ما في الحوانيت من سلع ثم غلّقت الأبواب…” (ص205). “قال الصادق لسود هامسا في لحظة يأس: “لا أعتقد أن سي الحبيب يعلم ما يحدث. لا أحد غير ذلك الوزير الشيوعي من رتّب كل شيء. لقد افقر البلاد وجفف ريق العباد. استولى على أراقنا ليعمّ الفقر والحاجة ويعود الناس كما كانوا أعرابا حفاة” (ص 206).

ويفتح الكاتب بمشرطه جرح فترة نكسة 67، وما خلّفه من مرارة في نفوس العرب قاطبة قائلا: “مشى الأستاذ رشيد النابلي، أستاذ التاريخ، نحو مكتبه أمام السبورة. تعلقت عيون الفتية ببنايانه المتهدم. تكوّم فوق مكتبه محمر العينين يمسح دموع أنفه بمنديل أبيض كمجد هارب. استبدّ بالفتية خرس ويتم مبكر. لا يبكي الرجال إلا إذا ماتت الأمّهات أو انكسرت الأوطان”.

ولا يتوانى الكاتب أحيانا إلى العودة إلى الوراء أكثر، فيستحضر على لسان أبطال روايته، وعلى امتداد فصولها الأرعة عشر، تواريخ أخرى على غرار الصراع ضد المستعمر الفرنسي، والحربين العالميتين: “كنت في الجزائر ضمن المغاربة المجنّدين منأجل فرنسا لنهزم ألمانيا في حرب في حرب لا تعنينا وذلك في ربيع 1945… يكتفي الكثي منا بسرد بعض التواريخ والعناوين ويطمسون الاحداث المرعبة. لقد اصبحوا في حل من الخجل. هل يستحق ما نحن فيه كل ذلك الدم الذي أريق؟” (111).

وأغلب الأحداث التاريخية المذكورة ولا يحدّدها الكاتب صراحة بالأرقام، ولكن من خلال ذكر تفاصيل وأحداث تساعد على تنشيط الذاكرة وتستحثها على التذكّر: “لقيت المنجي الفقيه بعد سنوات عديدة، بعد أن مرّت الأيام وتراكمت الأحداث وانقلبت الموازين، كان ذلك سنة سقوط جدار برلين،…”، (ص 149).

وهذه الأحداث التاريخية التونسية والعربي والعالمية لا تعدو أن تكون جزءا من مسار الرواية جاءت ضمن نقل الكاتب للتفاصيل اليومية الدقيقة لحياته وحياة الذين حوله من أهل دوز، “لذلك يمكن أن نقول أن هذه الرواية تنخرط في جمالية المفصّل واليومي وهو الاتجاه الذي تسير فيه الرواية الحديثة الآن”3.

– المجد لابن الصحراء

تأتي فرادة رواية بالحاج بالطيب بصوره الشعرية الكثيفة ولغته المتنوّعة والتي يضيف عليها استحضار بعض المقاطع الغنائية والشعرية الشعبية، وبعض المقاطع باللهجة العامية المحكية، ولم يغفل الكاتب عن التأكيد على ما هو معروف عن ابن الجنوب والصحراء من حفظه للشعر وغرامه بالأدب العربي حيث كان ينقل على لسان أبطال روايته بعضا من مأثور القول والشعر العربي مثلما استحضر هو محي الدين ابن عربي، والماغوط ومظفّر النواب وغيرهم.

كما اكتسب النص حركية من خلال تقنية الوصف التي جاءت دقيقة تستمدّ تفاصيلها من تفاصيل الأحداث اليومية التي يرويها الكاتب باسلوب يعتمد على تقنية “الفلاش باك”؛ بطريقة قد تبدو غير مترابطة حيث لا تنطلق هذه الرواية من نقطة بداية محدّدة ستوصلنا إلى نقطة نهاية مغلقة، ولكنها تفاصيل تحيى بحياة سكّان هذه المدينة، فما عاشه أبناء ذلك الجيل من أهل دوز خلال تلك الفترة، يمكن أن تعيشه أجيال اليوم، ربما مع بعض الاختلافات في التفاصيل اليومية التي تتطور بتطوّر الزمن، هي رواية المكان لا الزمان، فجوهر ابن الصحراء يبقى خالدا لا يتغيّر.. و”الصّحراء جرح لا يندمل والبداوة وشم مورق مزهر والتّرحال سبيل الانعتاق والفطرة كنز لا يفنى” (ص182).

“الرواية مجموعة لوحات تتلاحق وتتتابع، تظهر فيها شخصيات روائية وتختفي، لتظهر شخصيات أخرى، وقد تعود إلى الظهور من جديد. وما يجمع بينها هذا السارد الذي يؤلّف بين هذه اللوحات المتعدّدة وهذا المدار الحكائي الدلالي المتمثّل في وصف جياة مجموعة بشرية تعيش في قلب الصحراء”4.

لقد استطاع ابن دوز أن يفتكّ تلك البلدة النائية من حضن صحراءها ليضفي عليها حركيّة وتمرّد وليكشف من خلالها صورة مختلفة عن “دوز” التي يعرفها عامة التونسيين من غير أبناء المنطقة، ناقلاً صورا حيّة عن لنضطر إلى الاعتراف بها كمادة أدبية عالية المستوى.. تفوح رائحة النخيل من بين صفحاتها وتلفحنا شمس الصحراء من بين صورها؛ وحين يكون “انكسار الظل” هنا مشهدا جميلا تنحته الطبيعة فتحفظه ذاكرة الكاتب وينقله قلمه: “يطيب المقام ويحلو الحديث ويتفرّع القول حين تنكسر الظلال التي كانت تلبس مصادرها من حيطان وأشجار ونخيل. تسري في الأجساد الظمآنة الغبطة. يقترب اللطف والماء خلجانا ويبتعد الظمأ مترصّدا. الظل جنّة البدو الفقراء والرمال ارائك” (ص 203).

——
هوامش
1- د. محمد الباردي، نتقديم “انكسار الظل”، ص 7
2-الكاتب والصحفي التونسي نور الدين بالطيب: مداخلة بعنوان “القيلولات القائظة”

3-د. محمد الباردي، نتقديم “انكسار الظل”، ص 8
4-د. محمد الباردي، نتقديم “انكسار الظل”، ص8


شاهدي أيضاً :



تعليقات الفيسبوك