وداعا بابل الحجر يتكلّم والمدينة تتقمّص دور البطولة

منوعات
28.4K
0


وداعا بابل الحجر يتكلّم والمدينة تتقمّص دور البطولة

مجلة المرأة العربية – تضمّنت مسابقة الأفلام الوثائقية في الدورة الرابعة لمهرجان الخليج السينمائي عشرين فيلماً يُعرض أغلبها عرضاً عالمياً أو دولياً أولاً، ومن بينها الأفلام التي تُوِّجت بالجوائز الأربع، إذ أُسنِدت الجائزة الأولى لفيلم “حَمامة” للإماراتية نجوم الغانم، فيما ذهبت الثانية إلى فيلم “كولا” للمخرج العراقي يحيى العلاق، كما مُنحت جائزة التحكيم الخاصة إلى فيلم “الأنفال- شظايا من الحياة والموت” للمخرج مانو خليل، أما الجائزة الثالثة فقد كانت من نصيب المخرج العراقي عامر علوان عن فيلمه اللافت للانتباه “وداعاً بابل” الذي كان يستحق، والحقُ يقال، أعلى من هذه الجائزة لكي تكون بمستوى الجهد الفني الذي بذله بين ثنايا الفيلم.

إن منْ يعرف المخرج عامر علوان من كثب لا يستغرب هذا الفوز أبداً، ففي عام 2004، تحديداً، حصد فيلمه الروائي الطويل الأول “زمان رجل القصب” عدداً كبيراً من الجوائز في مهرجانات عالمية متعددة من بينها جائزة أفضل مخرج في مهرجان سان سباستيان، وأفضل ممثل في المهرجان نفسه، وجائزة الجمهور في مهرجان فيزول الدولي للسينما الأسيوية في فرنسا، كما نال الجائزة الكبرى في مهرجان الفيلم الدولي في مدينة أميان الفرنسية.
يا ترى، أين تكمن أهمية فيلمه الجديد “وداعاً بابل”؟ هل في الثيمة والأفكار الرئيسة التي تناولها المخرج في تضاعيف القصة السينمائية التي بناها بدراية العارف والمُدرِك لسر مهنته، أم في التقنيات التي بات يعرفها المتابعون لتجربته السينمائية الخلاّقة؟ أم في المعالجات التي قد يبدو بعضها جديداً وغير مطروق من قبل؟ هل أن الفيلم يتمحور حول “بابل” تحديداً، أم أنه يتحرك إلى مديات أوسع من ذلك ليشمل العراق وأميركا؟ هذه أسئلة منطقية لابد أن تطرق ذهن المتلقي وهو يتابع هذا الفيلم على مدار سبعين دقيقة تمّر، حقيقة، بسرعة خاطفة لا يشعر المتلّقي في أثنائها بالملل.

يميل المخرج عامر علوان على الصعيد التقني إلى المزج بين الوثائقي والروائي ربما إلى الدرجة التي تضع المُشاهِد في حيرة أمره، وتدفعه لأن يتساءل في سرِّه: هل أن المُخرج يروي أم يوّثق؟ وطالما أن المُخرج عامر علوان يشتغل على تقويض الحواجز بين ما هو وثائقي وروائي دعونا نسمّي هذه المحاولة بـ “الوثيقة المروّية” التي تتوفر على نصيب كبير من تقنية “الدكيّودراما” التي يعرفها القاريء الكريم.
الحجر يتكلّم يا صديقي
وعلى الرغم من أنني لا أميل إلى اليقين المُطلَق، وأحب خطوط الرجعة كثيراً، دعوني أجزم هذه المرّة وأقول إن البطل الرئيس في هذا الفيلم وشخصيته المحورية هو المكان أو مدينة بابل بشكل أدّق على رغم من وجود شخصيات كثيرة تتحرك بين بابل ونيويورك من بينها الملازم الاحتياط فرانك أوفاريل، جين أوفاريل، جول هيغي، مارك يانوَي، وشخصيات عراقية كثيرة أبرزها المترجم ديار هادي.
لقد حاول المخرج عامر علوان أن يتحدث عن أهمية مدينة بابل بوصفها كنزاً للحضارات العراقية القديمة المتعاقبة. وقد جسّد هذه المحاولة في أكثر من موقف لعل من المفيد هنا الإشارة إلى المُجنّد مارك يانوَي الذي قال عن بابل بأنها مدينة خرافية مذهِلة، كما تحدّث عن بُوّابة عشتار التي نُقلت إلى برلين وتمنّى مارك أن تسنح له الفرصة لزيارتها. كما تحدّث أحد الجنود الأميركيين عن الكتابة المسماريّة ووصفها بأنها صورية وشبّهها بالكتابة الهيروغليفية المصرية.
أما حديث المترجم ديار هادي الذي بعثه بصيغة الإيميل إلى صديقه الحميم فرانك أوفاريل ففيه نشعر بأهمية مدينة بابل، فالإيميل كان أشبه بالعمل الأحفوري الذي قام به ديار كاشفاً عن الطبقات المتراكمة لهذه الحضارات التي توالت على هذه المدينة، وللأجيال اللامعدودة التي تعاقبت على مرّ السنوات والدهور. يقول ديار في جانب من رسالته الإليكترونية بعد مغادرة فرانك إلى نيويورك: “بعد عدّة أيام من مغادرتك قادتني خطواتي إلى المدينة القديمة بابل، هل تعرف أنها ما تزال تحمل آثار قدميك؟ وكأنها تسألني عنكَ، وأنا لا أعرف بماذا أجيب؟ أنت تعرف أي نوع من الأعاجيب قد شهِدْتها هذه المدينة على مرّ الزمن. هل تستطيع أن ترى كل هذه الطبقات؟ كل طبقة تشير إلى حقبة مختلفة، وكل فرد أودعَ تاريخه الشخصي في طبقة ما “أو في آجرّة ما”.
الحجر يتكلم يا صديقي! أجيال من البشر عاشوا هنا، وثقافات متعددة تركت أثرها هنا . . . الخ”. يشير ديار ضمن إيميله الطويل نسبياً إلى العيلاميّين والكلدانيّين والآشوريّين والفرس والميديّين الذين خلّفوا آثارهم، كما يُذكِّر بالملوك والقادة العظام أمثال حمورابي، نبوخذنصّر، كمبايسس، أحشويرش، داريوس والإسكندر العظيم، “. . هؤلاء جميعاً بنوا مدناً عظيمة، ولكن أنظر ما الذي حلّ بهم وبحواضرهم. طبعاً، الزمن يعرّي هذه المدن كل يوم، لكن يبقى الإنسان هو المحطّم الأكبر، إنه ينتج حطامه، ويخلق تعاسته الشخصية بنفسه”.
فرانك أوفاريل المُجنّد البريء
إذا كان المكان قد لعب دور الشخصية الرئيسة، فما هي الأدوار التي أسندها المخرج إلى الشخصيات الأخرى التي أثثت متن الفيلم وضمنت حِراكه ونموه العضويين؟ أولى الشخصيات التي تصادفنا في الفيلم هي شخصية المجنّد فرانك أوفاريل الذي تمّ استدعاؤه قبل حفل زفافه بأربعة أشهر إلى تأدية خدمة العلم والذهاب إلى العراق مباشرة وقد رأيناه في أماكن عديدة من مدينة بابل.
وبالإضافة إلى كونه مجنّداً من الطراز الرفيع، فهو مثقف ومحب للقراءة ويتابع حالياً قراءة بعض الكتب التي تخص التاريخ العراقي القديم وقد شاهدنا في اللقطات الأخيرة من الفيلم وهو يقرأ كتاب “الطوفان”. يبدو أوفاريل مفرطاً في براءته حتى لا يظنه المشاهد أنه أميركي قلباً وقالباً. فهو من المشجّعين لغزو العراق عن قناعة تامة، وقد سبق له أن ساهم في حرب الخليج الأولى عام 1991، وهو يعتقد، مثل رموز إدارته الأميركية، أنه محرر للعراق والعراقيين، وغير محتل لهما، وقد ساهم مثل بقية أقرانه في حرية العراق وديمقراطيته، وأنه الآن يعيد إعمار العراق الذي بدأ يلتقط أنفاسه من جديد، وأن العالم قد أصبح أكثر أمناً بغياب صدام حسين الذين يصفونه دائماً “بالرجل الشرّير الذي يشكِّل خطراً جديّاً على أمنهم الوطني! معالم أوفاريل الخارجية بريئة جداً، ويبدو طيباً إلى درجة لا تصدّق، ولم نرَه في أي مشهد عنيف، بل على العكس فقد رأيناه في مشاهد إنسانية وحميمة بالذات تلك التي تجمعه بصديقه المترجم العراقي ديار هادي الذي سيتحول لاحقاً إلى هاجس مؤرق يقض له مضجعه وهو نائم إلى جوار زوجته جين أوفاريل في نيويورك!
تنتقل الكاميرا غير مرّة إلى نيويورك لتصور لنا حياة فرانك مع زوجته وأطفاله وبعض أصدقائه، نخص بالذكر منهم جول هيغي الذي يتذكره فيقرر اللقاء به بعد مرور خمس سنوات تقريباً حيث يستعيدا ذكرياتهم عن مدينة بابل وعن أكداس الأوساخ التي كانت ترتفع يوماً بعد يوم. يستذكران الرائحة الكريهة التي تسببها هذه الأوساخ، لكن فرانك يؤكد له أن الأوضاع تسير في الطريق وأن بابل قد أصبحت أنظف مما كانت عليه سابقاً.
المترجم وأعداؤه اللامرئيون
عمل ديار هادي مترجماً لقوات التحالف الدولي عام 2003، لكنه أصبح هدفاً لأعداء غير مرئيين بالنسبة له. فلا غرابة إذن حينما يكون جاره عدوّه، أو الراكب الذي يجلس في المقعد الخلفي قاتله الذي سوف يستهدفه بعد حين! يقول ديار إن مهنته إنسانية بطبعها، وأن الجندي الأميركي الأول الذي التقاه هو فرانك أوفاريل الذي أصبح صديقه منذ ذلك الحين. تتطور العلاقة بين ديار وأفاريل حيث يدعوه للعشاء في منزله غير مرّة، وحينما يعود إلى أميركا يقلق على مصيره لأن المترجمين مستهدفون على الدوام وقد قُتل العديد منهم في أغلب المدن العراقية.
يقول أحد الجنود العراقيين المقنّعين أن المترجم العراقي أُسيء فهمه من قبل العراقيين المتشددين بالخصوص، ومن قبل قوات التحالف أيضاً. فالمتشددون قاموا بمطاردة المترجم وتصفيته أمام أهله وذويه، أو خطفه وتعذيبه ثم قتله وإرسال جثته إلى أهله. أما قوات التحالف فلم يحسنوا الظن بالمترجم، ففي أحيان كثيرة كانوا يرسلون لجاناً خاصة بهدف مقابلة المترجمين ومعرفة نواياهم بواسطة إخضاعهم لفحوصات اختبارية إما عن طريق جهاز كاشف الكذب أو عن طريق إرسالهم إلى أطباء مختصين بتحليل نفسيات المترجمين ومعرفة دواخلهم وطواياهم.
ويرى هذا الجندي المقنّع أن المترجم هو إنسان عراقي يسعى قدر المستطاع لأن يساعد العراقيين ويساهم في بناء بلده، وغالباً ما يكون هو صاحب القرار، فالجندي الأميركي أو البريطاني لا يعرف تكوين المجتمع العراقي وثقافته، بينما المترجم ،ابن البلد، الذي يتحدث لغة أجنبية سيكون حلقة الوصل المفيدة سواء في التفاوض أو توصيل الأفكار، وحَل بعض العقد التي قد تلحق أضراراً جسيمة ببعض المواطنين العراقيين. تنقطع السبل بالمترجم ديار هادي بعد سفر فرانك أوفاريل فيضطر بسبب التهديدات الكثيرة له ولعائلته أن يترك العمل ويغير عنوان سكنه، ورقم هاتفه، واسمه الشخصي أيضاً! كما يضطر للعمل كسائق تاكسي كي يؤمِّن قوتَ يومه، ففرص العمل في تلك الحقبة كانت شحيحة ونادرة جداً.
وفي أثناء نقله لبعض الزبائن داخل مدينة الحلة وأطرافها نتعرف على طبيعة الحياة في تلك المضارب. فأحد الرجال المتبضّعين كان يروم الذهاب إلى “حيّ المُعلِّمين” وما أن دخل جوف السيّارة حتى بدأ يشكو من غلاء أسعار المواد الغذائية الأساسية كالطماطم والبطاطا والباذنجان وحتى البصل الذي مبذولاً ومتوفراً في كل مكان! ثم نفهم من خلال رحلته القصيرة أن لديه ولدان وبنت، البنت معلمة، لكنها عاطلة عن العمل منذ أربع سنوات، أما الابن الثاني فهو مهندس لكنه عاطل عن العمل هو الآخر ولم يجد فرصة تعيين لحد الآن، وقد ختمَ محنته حينما قال إن ولده الأكبر قد قتله القصف الأميركي، وأن حسابه مع بوش طويل، وإن لم يكن في الدنيا، فسوف يكون بالتأكيد أمام الرب العادل الكريم.
ثمة لقطات مؤثرة لرجل كبير يستجدي كان لوجودها إشارة إلى تفشي ظاهرة الاستجداء في العراق بشكل لافت للانتباه. ولكي تكون الصورة حياديّة ومتوازنة عمد المخرج إلى إظهار شخصية مؤارزة للنظام الجديد حيث يقول: “على الرغم من وجود الازدحام وغلاء البنزين، لكن الله حرّرنا من ذاك الطاغية، كنّا مُضطهدين ومُحاصَرين، الآن عايشين بحرية وديمقراطية وعندنا حرية رأي، وتستطيع أن تفعل ما تريد”.
أراد المخرج عامر علوان أن يسلّط الضوء على المواقف السبلية التي تناسلت غِبّ الاحتلال وهيمنة الأحزاب الدينية المتخلفة وسنكتفي هنا بالإشارة إلى مشهد التفتيش في إحدى نقاط السيطرة، فبينما يفتِّش أحد العساكر الصندوق الخلفي لسيارة ديار هادي يكتشف وجود غيتار فيسأله باستغراب: ” -ما هذا الذي تحمله في سيارتك؟ فيرد عليه:-غيتار أدندن به في أوقات فراغي. فيحذرّه قائلاً:-أتدري أن هذه الآلة ممكن أن تجلب لك بلاوي سوداء، أنا أنصحك أن تضعه في البيت وتتخلص من شرّه”. هذه إشارات بسيطة لمحرّمات كثيرة ظهرت بعد التغيير، وقد توقف المخرج عند بعضها لمجرد التنويه إلى تردي الحياة الاجتماعية التي كانت طبيعية ومقبولة حتى في ظل النظام السابق.
كذب الإدارة الأميركية
لكي نضع القاريء الكريم في الصورة لابد من التوقف عند شخصية المُجنّد الأميركي جول هيغي الذي أمضى عام 2004 كله في العراق. كان هذا الشخص من المؤيدين لغزو العراق ولإسقاط نظامه السابق، وقد أخذ تصريحات الإدارة الأميركية على محمل الجد حيث قال مُردداً آراء جورج بوش في هذا الصدد: “كان هناك ثلاثة أسباب لتغيير النظام في العراق: الأول أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، والثاني أن العراق له صلة بالقاعدة، والثالث أن صدام حسين كان رجلاً سيئاً وشرّيرا”. لقد أصيب جول هيغي بالصدمة والذهول حينما لم يجد أي نوع من أسلحة الدمار الشامل، كما أنه والجهات المتخصصة في البحث، لم يكتشفوا أية صلة للعراق بالقاعدة.
وفيما يتعلق بصدام حسين الرجل الشرّير فإن هيغي يقول “إننا نعرف أن صدام حسين كان رجلاً شرّيراً منذ عام 1979، ولكنه لم يؤذِ أميركا، ولم يلحق أي ضرر بالأميركيين، فلماذا الخوف منه، وتهويل صورته بهذا الشكل؟”. ويمضي هيغي إلى القول: “الغريب أننا حينما نواجه المسؤولين الأميركيين بهذا الرأي القوي والرصين فإنهم لا يبالون ولا يأخذون الأمر على محمل الجد. وهذا السبب هو الذي دفعني لتغيير وجهة نظري بالإدارة الأميركية التي كذّبت علينا وزيّفت الكثير من الحقائق لكي تغزو العراق. أما نتائج هذا الغزو فهي كالآتي: قُتل في العراق أكثر من “100.000” مواطن عراقي، كما قُتل “3.892” جندي أميركي في العراق، وجرح “16.420” منهم في عموم المدن العراقية التي دنّسوها. أما تكاليف الحرب فقد بلغت “3.000” مليار دولار أميركي”.
أبرياء وأوغاد
لا شك في أن الشخصيات الأميركية التي إختارها المخرج عامر علوان هي شخصيات مثقفة، عميقة، إنسانية، دمثة الأخلاق ولم نرَها تتورط في مشاهد عنف أو قتل أو إساءة باستثناء أحد المسؤولين عن أحد الحواجز المرورية حيث قام بتفتيش رجل فيما كان إلى جواره امرأتين عراقيتين أوحى المشهد برمته أنه سيقوم بتفتيشهما وتحسسهما من أعلى الكتفين إلى أخمص القدمين! كنا قد أشرنا آنفاً إلى شخصية المُجنّد مارك يانوَي الذي كان يحلم بزيارة العراق ليرى المناطق الأثرية التي قرأ عنها في كتبه الدراسية. وعلى الرغم من ضيق وقته إلا أنه ذهب إلى “كيش” وبابل، وتجشّم عناء السفر إلى كهف شانَدار في أقصى الشمال لكي يرى المكان الذي انحدرت منه البشرية. هذا النمط من الشخصيات لا يمكن القياس عليها لان الجيش الأميركي كان يضم آلافاً مؤلفة من الكائنات البربرية المتوحشة التي ألحقت ضرراً فادحاً بالعراقيين الأبرياء حيث قتلوا الجرحى والمصابين، وانتهكوا أعراض النساء في وضح النهار، وخرقوا العهود والمواثيق الدولية. ولكي نعود إلى ثيمة الفيلم الأساسية لابد من الإشارة إلى المترجم ديار مهدي قد تحول هاجس متواصل لفرانك أوفاريل.
وذات مرة كان فراك نائماً لكن ديار كان يتقدّم إلى سيارته الشخصية، وما إن استقر في مقعده بعد أن فتح المذياع، وأدار مفتاح التشغيل حتى انفجرت السيارة وتحوّلت إلى أجزاء متناثرة وسط غيمة من الدخان.
إذا كانت القصة الحلمية قد انتهت بهذا الشكل المروّع فإن واقع الحال كان أكثر قسوة وفظاظة. فالأحزاب الدينية المتشددة التي تفكر تفكيراً سلفياً مثل القاعدة وما شابهها من تنظيمات سوداء، كانت ترى في المترجمين العراقيين الذين يتعاملون مع قوات التحالف خونة لذلك تابعوا المترجم ديار هادي وعرفوا ساعات خروجه وعودته إلى المنزل فتربصوا به الدوائر حيث فتح أحد الملثّمين النار عليه وأصابه في مناطق متعددة من جسده.
الجملة الختامية
لا يخلو الفيلم من بُعدٍ رمزي وحسنا فعلَ المخرج عامر علوان حينما أنهى فيلمه بهذه القصة التي يمكن إيجازها بالآتي: “كان النبي موسى يكلّم الله من قمة جبل سيناء، ذات مرة نزل الجبل فرأى أهل القرية قد تحوّلوا كلهم إلى حجر. عاد وتسلّق الجبل ثانية وخاطب ربه قائلاً: هناك أناس قليلون ارتكبوا المعاصي فلماذا عاقبت الناس جميعاً؟ أمره الله أن يذهب وينام تحت شجرة قريبة لكي يفهم كل شيء. ما إن استلقى النبي موسى حتى غطّ في نوم عميق لكن نملة واحدة لسعته وأيقظته فأخذ يسحق النمل جميعاً، عندها خاطبه الله: “- يا موسى أن نملة واحدة هي التي لسعتك فلماذا تبيد النمل جميعا؟”” عندها أدركَ سرّ المدينة التي تحوّل أهلها إلى حجر!
“وداعاً بابل” فيلم يروي الكثير من الحوادث، كما يوّثق العديد من القصص التي تتعلق بمدينة بابل على وجه التحديد، أو الشخصية الرئيسة التي أسند إليها مخرج الفيلم دوراً يليق بقامتها التاريخية الباسقة، وكان أمينا في رسمها، وصادقاً في تقديمها، وكأننا نرى صورة حقيقية من دون رتوش.
“عرب أونلاين”


شاهدي أيضاً :



تعليقات الفيسبوك