بيرقدار لا يجد فرقا بين سوريا وسوريالية

منوعات
26.5K
0


بيرقدار لا يجد فرقا بين سوريا وسوريالية

أحمد صبحي خليفة

لا يشير الشاعر السوري فرج بيرقدار إلى كتاب “الخروج إلى النهار” الشهير بكتاب الموتي في مصر القديمة إذ
ينادى الميت باسمه “انهض فلن تفنى. لقد نوديت باسمك. لقد بعثت” حين يصف عملية تجريد المعتقل السياسي
من اسمه في ظل نظام تتشابه فيه كلمتا “سوريا وسوريالية” حيث العبث واللا منطق هو النظام العام.

ويقول إن سلطات الاعتقال أعطتهم في البداية أرقاما فكان هو “السجين رقم 13” ثم أعطوه اسما حركيا هو
“سيف أحمد” وبعد أن فرح بالاسم الحركي تبين له أنه فخ إذ لا يوجد شيء يدل على اسمه الحقيقي ولو مات

فلن يكون في السجلات “أي شيء حقيقي يدل علي”.


وبيرقدار الذي ولد عام 1951 اعتقل للمرة الأولى عام 1978 بسبب مشاركته في إصدار مطبوعة أدبية في
جامعة دمشق ثم اعتقل عام 1987 لانتمائه لحزب العمل الشيوعي وبعد ست سنوات أحيل إلى محكمة استثنائية
هي محكمة أمن الدولة العليا في دمشق التي قضت بسجنه 15 عاما مع الأشغال الشاقة والحرمان من الحقوق
المدنية والسياسية وبعد 14 عاما من الاعتقال نجحت حملة دولية في دفع السلطات السورية للإفراج عنه في
نوفمبر/ تشرين الثاني 2000.

ويسجل المؤلف تجربته في كتاب (خيانات اللغة والصمت.. تغريبتي في سجون المخابرات السورية) قائلا إنه في
سنوات الاعتقال الست الأولى كان “مقطوعا عن العالم الخارجي محروما من الزيارات والأقلام والأوراق
والراديو” إلى أن قدم مرافعته أمام محكمة أمن الدولة العليا عام 1993 فقضت بسجنه 15 عاما.

والكتاب الذي يقع في 182 صفحة متوسطة القطع أصدرته (دار الجديد) في بيروت ويتزامن مع تواصل
الاحتجاجات الشعبية في عموم البلاد منذ أكثر من 17 شهرا والمطالبة بإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد.

وصدر للمؤلف عام 1997 خلال الاعتقال ديوان (حمامة مطلقة الجناحين) وصدر له العام الجاري ديوان
(أنقاض) الذي كتب قصائده في فترة الاعتقال.

ويقول بيرقدار في كتابه (خيانات اللغة والصمت.. تغريبتي في سجون المخابرات السورية) إن الشعر كان
سببا في حمايته وتحريره وإنه أدرك أن الشعر “طائر الحرية الأجمل. هو التمرين الأقصى على الحرية.
وبصيغة أخرى هو ما ليس قابلا للأسر” وإنه لو لم يكن شاعرا لانهزم في المعتقل.

وفي فصل عنوانه (حمامتان وقمر وثلج أيضا) يقول إن تجربة الاعتقال جعلته يعيد اكتشاف الأشياء
والأدوات الأولى مثل إنسان ما قبل التاريخ في اكتشافه الألوان والخبز والخوف والنسيان والجنون
والثياب. وعلى سبيل المثال خرج من سجن تدمر بذكرى وحيدة إذ كانوا يرون من إحدى الفتحات الجزء
العلوى لشجرتين متجاورتين “تتهادل عليهما وقت الأصيل حمامتان عاشقتان واحدة أكثر سوادا من آلامنا
والأخرى أكثر بياضا من أحلامنا.”

ويستدرك “يا إلهي.. لقد نسيت ذكرى ثانية لا تقل جمالا.. القمر. كنا نراه بضع مرات في الشهر عندما
ينحني لمستوى الشراقات وهو يعبرها واحدة واحدة متيحا لنا أن نحمله ما نشاء من الرسائل والوصايا.”

ويقدم المؤلف أنواعا للتعذيب في المعتقلات السورية منها “الشبح على السلم” حيث تربط قدما السجين
بالحبال ويتدلى جسده مقلوبا ويتم التحقيق معه وانتزاع الاعترافات على وقع سياط تسلخ جلده. كما
يعذب السجين بالصعق الكهربائي في الأذنين أو الشفتين أو العضو التناسلي.

ويروي أن مدير السجن التقى بالسجناء فأخبره أحدهم أنه معتقل منذ تسع سنوات رغم حكم قضائي
بالبراءة ومنذ عامين حوكم مرة ثانية ونال أيضا حكما بالبراءة ولكن السلطات لا تخلي سبيله فما كان
من مدير السجن إلا أن أخذ وضع من يلقي خطابا وقال “يا أبنائي. كونوا على ثقة تامة أن كل بريء
عندي سيخرج من هذا السجن مهما طال الزمن. نعم سيخرج ولو بعد مئة عام.”

ويقول إن الجلاد “لو كان يدرك حقيقة مشاعر الضحية لتمنى أن يكون أي شيء آخر حتى لو كان هذا الشيء
هو الضحية نفسها” مشددا على أن أنواع الاغتصاب بما فيها اغتصاب الوطن قابلة للغفران “أما اغتصاب
الإنسان كمفهوم. اغتصابه كوجود” فيراه عارا يدعو لما هو أكثر من الخجل.

وفي ملحق عنوانه (دفاع عن الحرية) يورد الكتاب نص مرافعة بيرقدار أمام محكمة أمن الدولة العليا في
دمشق عام 1993 والتي سجل فيها أن “القمع السافر والمعمم هو العدالة الوحيدة… إن دولة تعتبر
الكلمة فيها جريمة يحاكم عليها المرء هي دولة غير جديرة بالحياة ولا حتى الدفن” كما وجه للقضاة
افتراضا “لو فشلت السلطة الحالية بانقلابها عام 1970 لكانت محكمتكم قد حاكمت رموز الانقلاب بتكليف من
السلطة السابقة طبعا بوصفهم أعداء لأهداف الدولة-الحزب” في إشارة إلى استيلاء الرئيس السوري السابق
حافظ الأسد على الحكم عام 1970.

ويشدد على أنه لا يرى فرقا جوهريا بين كلمتي “سوريا وسوريالية”.

ويضيف “إن سلطة جاءت بالعنف يصعب عليها أن تتصور إمكانية إسقاطها بغير العنف… وهل نكذب الآن
إذا قلنا إن سيرة عبيد روما تتجدد في سوريا… لقد رأيت بعيني إطلاق النار على رفاق لي أعرف جيدا
أن سلاحهم الوحيد الذي كانوا يحملونه هو الجريدة أو البيان… فأية كوابيس هذه التي أسميها بلادي؟”.

ويقول “إنه حتى الأجيال التي ستولد في سوريا مستقبلا ستطرق الرأس خجلا كلما توقفت أمام هذه الصفحات
السوداء من تاريخ سوريا.” -رويترز


شاهدي أيضاً :



تعليقات الفيسبوك