المكتبات في وطن شكسبير مهددة بالإغلاق

منوعات
28.5K
0


المكتبات في وطن شكسبير مهددة بالإغلاق

لندن-العرب أونلاين: تعالت أصوات أدباء وكتاب بريطانيون لحماية مئات الفروع من المكتبات المحلية
المهددة بالإغلاق بسبب الضائقة المالية، في بلاد عرفت على مر تاريخها بولعها بالقراءة وأنجبت مئات
المبدعين والمؤلفين.

وكشفت أرقام لمؤسسات تراقب عمليات الإغلاق في المدن البريطانية عن وجود 245 مكتبة محلية مهددة بالإغلاق
من قبل المجالس المحلية من أصل 4000 مكتبة.

وتقود الروائية البريطانية زادي سميث حملة لمواجهة عملية الإغلاق المتصاعدة لفروع المكتبات المحلية،

بمشاركة ناشطين ومتطوعين من آجل المحافظة على إرث أسهم في صنع معرفة أجيال من البريطانيين.

وقالت سميث الحاصلة على جائزة “إورانج” للرواية النسائية عن روايتها “عن الجمال” “إنها تقاتل من
أجل منع إغلاق مكتبة في البلدة التي تعيش فيها، بعد أن تم إغلاق ست مكتبات من قبل المجلس المحلي”.

وتحاول الروائية البريطانية من أصول جامايكية مع عدد من الناشطين جمع تبرعات للمحافظة على المكتبة
الصغيرة المهددة بالإغلاق.

ونقلت صحيفة “الغارديان” عن سميث تأكيدها أهمية المكتبات المحلية خصوصا لأبناء الطبقات المتوسطة في
بريطانيا.
وقالت “إن لم يكن الآباء من المتعلمين، فإن أولادهم لا غنى لهم غير الذهاب إلى المكتبات المحلية القريبة من
مناطق سكناهم”.

ويخطط عدد من النواب البريطانيين مع عدد آخر من الكتّاب من بينهم ” كيت موس” و”فيليب ارداغ ” لعقد
مؤتمر في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل في محاولة لإنقاذ ما تبقى من المكتبات من الإغلاق.

وكان عدد من النشطاء البريطانيين من منظمي حملة “انقذوا المكتبات” قرر إنتاج فيلم مدته 6 دقائق
حول أزمة إغلاق المكتبات، بعد قرار الحكومة البريطانية بوقف الدعم عن المكتبات العامة.
وبحسب صحيفة الغارديان، فإن الفيلم الجديد الذي يحمل عنوان “حملة إنقاذ المكتبات” ويعرض خلال هذا
الأسبوع، سيشارك فيه عدد من كبار الأدباء والمثقفين، منهم: داونتون آبى “الأديب وكاتب السيناريو
وعضو مجلس اللوردات البريطاني”، والنائبة تيسا مونت، وجوليان فيلوس، آنى شيلوم “رئيس الجمعية
الملكية للأدب”.

ومن المقرر أن يعرض هؤلاء الكتاب آرائهم حول أهمية المكتبات بالنسبة لكل منهم وأهمية التعليم
والقراءة والكتب بالنسبة لهم.
ووعد المخرج كين كوتش، مخرج الفيلم، بأن يكون الفيلم تحدياً للحكومة البريطانية بعد قرارها بإغلاق
المكتبات ويحاول معالجة الآثار المحتملة لوقف الدعم على المجتمع في الوقت الحاضر وفي المستقبل.

المكتبات البريطانية في خطر

وتعد المكتبات المكان الأكثر حيوية للمجتمع البريطاني المتعدد الأعراق، وطبيعتها لا تميز بين الفقراء
والأغنياء من روادها، لذلك يسعى المؤتمر إلى بحث الخيارات لإنقاذ هذه المكتبات المهددة بالإغلاق في
البلدات والقرى، بسبب الضائقة المالية.
ويرتبط غالبية الأدباء والكتاب الانجليز بوشيجة حسية ومعرفية مع المكتبات المحلية في مدنهم أو بلداتهم.

فالروائية جينيات وينترسون كانت قد سألت أمها مرة “لماذا لا يكون لدينا بعض الكتب في البيت أسوة
بغيرنا؟ فردت عليها بأنك لا يمكن أن تعرفي محتوى الكتاب إلا بعد قراءته، وعندها يكون قد فات الأوان”.

وتذكر جينيات في كتابة سيرتها الذاتية “وبعد فوات الأوان، فعلا اكتشفت ذلك في وقت متأخر!”. وهكذا
كانت تقرأ في طفولتها في الخفاء.

ولما سُمح لها بالقراءة في مكتبة المدينة، كان يفرض عليها كتب التاريخ والدين وغير مسموح لها قراءة
أي كتاب يقترن بالخيال.
لكنها عندما كانت تتهرب من هذا الطوق كانت تلجأ إلى ت.س. اليوت، ومرة انهمرت دموعها وهي تقرأ
داخل المكتبة، وقتها كان حتى العطاس غير مسموح به في صالات المكتبات!، فأُخرجت إلى الخارج لتكمل
القراءة.

وكان استطلاع لمؤسسة “ناشونال ليتراسي ترست” البريطانية الخيرية قد أظهر أن نحو 13 في المائة من الشباب
البريطاني لم يتمكن من قراءة كتاب واحد في الشهر، ووضعت الشركة المسؤولية عن هذا الأمر على شبكات
التواصل الالكتروني.
وشمل الاستطلاع الذي أجري بين 18141 طفلا تتراوح أعمارهم بين 8 أعوام و17 عاما. ويهدف إلى إبراز
مهارات القراءة والكتابة واستخدام التكنولوجيا الحديثة في صفوف الأطفال البريطانيين.

وتبيّن أن عددا كبيرا من الأطفال يفضل قراءة مجلات وجرائد وكتب الكترونية، كما يتواصلون عن طريق
تبادل رسائل نصية عبر الهاتف الجوال ورسائل البريد الالكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي.

وأظهرت نتائج الاستطلاع أن نحو 50 في المائة من الشباب يستعين بالانترنت من أجل التواصل أكثر من مرة
واحدة في الشهر.

ويقرأ زهاء 60 في المائة الرسائل النصية، ويفحص 50 في المائة البريد الالكتروني، بينما يزور 49.3 في
المائة مواقع مختلفة على شبكة الانترنت للاطلاع على المعلومات. ويقرأ حوالي 16 في المائة من الشباب
المدونات.

وأظهر الاستطلاع أن أقل من نصف الشبان يقدم على قراءة كتاب من خارج المناهج الدراسية مرة واحدة
على الأقل في الشهر، بينما يفضل أكثر من نصف الأطفال قراءة مجلة، ولا يزيد عدد الذين يقرأون كتبا
علمية خارج المنهج التعليمي عن ثلث فقط.

وأشارت المؤسسة الخيرية إلى أن هناك “حاجة ماسة” لإنشاء وتطبيق سبل جديدة لتشجيع الشباب على
القراءة.

وقال الباحثون “إن أي نوع من القراءة خارج إطار الدراسة مفيد، شرط أن لا تقتصر مزاولة الطفل
القراءة على مرة واحدة في الشهر”.

القراءة في عصر الاتصالات الحديثة

وسبق وأن دقت دراسة حديثة أجراس الخطر في تلاشي القراءة بين أجيال الشباب بعد إدمانهم على الرسائل
النصية عبر الموبايل.
ووفق أحدث استطلاع أجرته مؤسسة الصندوق الوطني للفنون الأميركية فإن نصف المراهقين اليوم لا يقرأون
الكتب إلا إذا قدمت لهم.

وأشار الاستطلاع إلى 50.7 في المائة من الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 24 عاما لا يقرأون
كتابا لا يشترط في المدرسة أو في العمل، وتنخفض النسبة بالنسبة إلى الأعمار الأكبر ما بين سن 75 نزولا 59
عاما.

ووصف تقرير لمجلة “نيوز ويك” الأخبار بالسارة عندما نتحدث عن تصاعد القراءة والكتابة بين المراهقين،
لكن هذه الأخبار تصبح سيئة عندما نعرف أنهم لا يقرأون ولا يكتبون غير الرسائل النصية القصيرة
المتبادلة عبر الموبايل.

وفقا لمسح أجري عام 2010 فإن الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاما أرسلوا واستقبلوا ما
معدله 3339 رسالة نصية شهريا. فيما استقبلت وأرسلت الفتيات المراهقات أكثر من 4000 رسالة نصية
شهريا.

ووصف كاتب التقرير “نيال فيرغسون” الملايين من الشباب برشيقي الأصابع الذين يتبادلون رسالة “تافهة”
عبر الموبايل لا تمت بصلة لطقوس الرسائل وحسها في الكتابة.

وقال “إن طقوس القراءة التي كانت (معشعشة) في عقول الصغار قبل شيوع الهواتف النقالة قد تلاشت
تقريبا اليوم”.

وأكد أن عادات القراءة في الجامعات قد انخفضت بنسبة واحد لكل ثلاثة طلاب منذ 13 عاما، وأن ثلث طلاب
الجامعة لا يقرأون أكثر من ساعة أسبوعيا.

وعزا نيال فيرغسون، وهو أستاذ جامعي، أسباب هذا العزوف إلى تصاعد فجوة القراءة في المجتمعات وفق
نتائج دراسة لمنظمة التعاون الاقتصادي.

وترى الدراسة أن فجوة القراءة تتسع بين المراهقين في الولايات المتحدة والصين وصربيا وشيلي.

وقال “إن الأطفال اليوم يغادرون حضارة أجدادهم في الجلوس بالمنازل والقراءة، إلى الخروج واللهو خارج
البيت”.

وعرض نيال فيرغسون قائمة بمجموعة من أشهر الكتب الموجودة في رفوف جامعة كولومبيا وكيف أن استعارتها
قد انخفضت بنسبة مخيفة. وقال “إن من بين كتب الكوميديا اللإلهية لدانتي والملك لير لشكسبير ودون كيشوت
لسرفانتس وفاوست لغوته والجريمة والعقاب لديستوفسكي والحرب والسلام لتولستوي، ولم يتم استعارة إلا
الكتاب الأخيرة ولعدد متواضع”.

مرحلة ما بعد الرقمية

وسبق وأن وضع الكاتب البريطاني سايمون جنكينز “تصورا” لمرحلة ما بعد الرقمية من دون أن يلغي قيم
القراءة التقليدية وطقوس زيارة المتاحف ودور العرض والمكتبات.

وأشار في مقال تحليلي في صحيفة “الغارديان” أن العصر ما بعد الرقمي سيكون بمثابة معادل تاريخي
لأزمنة الراديو والتلفزيون والفاكس والصحيفة الورقية وبعدها الالكترونية، من دون أن يقلل من
مستقبل قيم القراءة الشائعة والاستماع والمشاهدة الحية للحفلات الموسيقية والغنائية.

ووصف جنكينز، رئيس الاتحاد الوطني البريطاني والحاصل على وسام تقدير في مجال الصحافة عام 2004، تلاشي
الصحف الورقية لحساب الالكترونية بالأمر المثير للسخرية.

وطالب جنكينز، الذي سبق وأن أصدر مجموعة من المؤلفات التي تعالج الهندسة المعمارية والصحافة
والسياسة، بعدم الوقوع في خطأ إلغاء القديم من أجل التجربة الحية التي يبثها العصر الرقمي.

وضرب مثلا عن تراجع أرباح تسويق الاسطوانات الموسيقية خلال السنوات العشر الأخيرة، فيما لم تتأثر
الحفلات الموسيقية الحية، “فقد أغلق في بريطانيا مثلا 40 متجرا لبيع الاسطوانات الموسيقية، في حين تذاكر
حفلات ريهانة تباع بسعر 330 جنيها استرلينيا، والحصول على مقعد في حفل لمادونا يعادل ثمن شراء كل
أسطواناتها الموسيقية”.

وقاد عدد من المشاهير تجمعات أسبوعية لتشجيع القراءة في الأماكن العامة بمشاركة قراء من مختلف
الأعمار، فيما تضاعف جمهور دور السينما والأوبرا والمتاحف.

وفي إشارة إلى دور التفاعل الحي بين السياسيين والجمهور، أثار سايمون جنكينز تدافع السياسيين على
اللقاءات المباشرة والندوات وجها لوجه وتفضيلها على ندوات التلفزيون. مؤكدا أن مثل هذه
اللقاءات لم تكن شائعة بالقدر نفسه قبل عشرين عاما.

وقال ان تصاعد جمهور المتاحف والصالات الفنية كما يحدث في متحف اللوفر والمتروبوليتان في نيويورك، يمكن
أن يعوض عن نسب القراءة المتواضعة في المهرجانات الأدبية وانحسار القراءات الشعرية.

وتوصل جنكينز إلى أن احد أسباب هذه العودة يعود الى الملل والفرار من شاشة الكمبيوتر والتلفزيون
مساء إلى أجواء طبيعية وفي عطلات نهاية الاسبوع.

واستشهد بتفسيرات علمية تشير إلى أن التطبيقات الالكترونية للكمبيوتر تساهم في إبطاء النمو الطبيعي
للدماغ، والإدمان على الانترنت يضعف التجربة العقلية في تدرجها، فيما يسعى الإنسان بطبعه إلى الرقي
بذاته وعدم الوقع أسيرا في واقع افتراضي.

وأكد “أن بعض مدارس ولاية كاليفورنيا الأميركية قد منعت استخدام الكمبيوتر أصلا فيها، والطريف أن
المدراء الكبار في شركات غوغل وياهو وأبل يرسلون أبناءهم إلى تلك المدارس حيث يستخدم الطباشير
والسبورة والورق والقلم، إثر دراسة أكدت أن أجهزة الكمبيوتر تحول دون التفكير الإبداعي والحركة
والتفاعل الإنساني”.

ويبدو أن ما يريد أن يقوله جينكنز هو أن من تعلم بالطباشير والقلم وكتب على اللوح الخشب والورق،
هو من أقام صرح التقنيات التي نعيشها اليوم، أي أن الانجاز بشقيه الثقافي والتقني ينبغي أن يمر من
بوابة التعليم الحقيقي والمتفاعل وليس فقط من خلال شاشة الكمبيوتر.

وتوصل الكاتب، الذي يكتب عمودين اسبوعيا في صحيفتي “الغارديان” اليومية و”ايفنيغ ستاندر”
المسائية، إلى أن العصر ما بعد الرقمي، لن يجعل من شبكة الانترنت مقصدا في حد ذاتها ولكنها ستكون
خارطة طريق إليه.

وقال “كلما ازدهرت فرص التعامل الجماعي كلما خف الشعور بالوحدة، وهذا لا يقدمه الجلوس الدائم
أمام شاشة الكمبيوتر”. وأوضح “أن الرسائل النصية الهاتفية تمثل نافذة على العالم وليس بابا”.

واختتم مقاله بالقول “لست من أعداء التكنولوجيا فالانترنت يعد أكبر مكافأة مبتكرة في حياة الإنسان،
إلا أن العودة إلى الكياسة تبدو مبهجة، ولن أقبل بالقول إن الانترنت سيدفع بأدمغتنا إلى الهرولة، بل
هو يخسرنا فرصة القدرة على قراءة جمل طويلة أو التعامل مع المعلومات المعقدة للغاية، والكثير من
التحديق في الشاشات تكون سيئة للعينين وللظهر”.


شاهدي أيضاً :



تعليقات الفيسبوك