المدينة الحالمة تأسر قلب نوري الراوي الطاعن بالعشق

منوعات
28.6K
0


المدينة الحالمة تأسر قلب نوري الراوي الطاعن بالعشق

سلمان الواسطي

شكلت المدينة بالنسبة إلى التشكيلي العراقي نوري الراوي محمور اهتمامه في العديد من رسوماته، حتى غدا المكان ملتصقا بذاته،
وروحه التي هامت بمدينته التي رأى فيها أحلامه وآماله. مدينة في قلب عاشق تلك هي مسيرة الراوي.

الإبداع مساحة مفتوحة لايحدها حد ، مهما اتسعت ومهما بلغت في طيها للمسافات التي تشتعل فيها حرائق المبدعين.

إنهم يشعلون الحرائق في غابات أرواحهم التي لاتستقر إلا على قلق ..وحين نقترب منهم بنشوة نكتشف ذلك المجهول الذي يسكنهم .
تتطاير شظايا النار من تلك الحرائق ليمتد اشتعالها … لكن هذه المرة في غابات أرواحنا التي تسكنها لذة اكتشاف دهشة المجهول
ولحظة كتابة النص حين ينزف وجدان المبدع بالفرح مرة وبالألم مرات أخرى .


السؤال الذي يراودني حين أرى المدينة تشكل عنصرا متحركا زمانياً ومتغيرا مكانياً وفق تغير العوامل والأحداث الفاعلة في هذه
المدينة أو تلك، هل هناك علاقة طقسية مقدسة بين المبدع والمدينة يتجلى في سحرها الخلاب أو عذابها الأبدي في نصوص المبدع
سواء كانت كتابية أو لونية؟

المدينة عند الفنان الكبير نوري الراوي، هي عبارة عن عنصر مكاني يحتمل التدوين والترميز والإشارة لأبعاد نفسية وفكرية
وإنسانية وأخيرا جمالية، لذلك ظلت مدينته البكر (راوة) هي مصدر الإلهام المؤثر في تجربته لسنين طوال دون أن يعتريه الكلل أو
الملل من المعاودة لرسمها وتدوين نصها وفق رؤيا تتغير مع تغير المراحل الفكرية والحسية والجمالية التي مرت بها تجربته الفنية طيلة
هذه السنين الطوال، ذلك أن الفنان نوري الراوي كان في كل مرة يعاود فيها رسم مدينته راوة، لم يكن يرسم نفس العناصر والمشاهد
المكانية كما ظن البعض الذين نظروا للوحاته من ناحية التجسيد المكاني دون الأخذ بعين الاعتبار المغزى السايكولوجي الذي
يحيط بالمبدع لحظة الشروع في عملية الخلق الفني وفي لحظة تدوين النص البصري.

شكلت (راوة) في وجدان الفنان نوري الراوي المدينة الحالمة ، المدينة المقدسة لما تحتويه من براءة الطفولة والصِبا، والفرح الدائم الذي
كان يراوده في تلك الأيام، هي إذاً مدينة الفراشات والطيور والعصافير وبلابل المحبة والسلام ، هي تجمع طيف لون من اخضرار
الأشجار والأعشاب ومختلف النباتات ، ومن اللون السماوي والأبيض للغيوم والفضاء وهي أيضا عبارة عن تشكيل رائع لحظة الفجر وساعة
الغروب حين تصبغ حمرة بقايا الشمس في ذلك الأفق الذي يسحر لب الكبير بمديات تختلف بالتأكيد عما يشعره الطفل الحالم وهو
يجلس ليراقب هذا التكوين العجيب دون أن يحضر لديه أي تفسير لهذه الظاهرة الساحرة، فيحتفظ به في لحظة دهشته تلك في
مخيلته لسنوات طوال، كل ذلك كان ولازال يشكل حالة بصرية تثري ذاكرة فناننا بفيض عذب عن تلك المدينة، هو يريد أن
يثبت هذه الهالة العذراء لهذه المدينة، ويريد أن يبقي طفولتها من خلال الأجيال التي أتت بعدهُ بمنأى عما يحدث من خراب وموت بسبب
الحروب العبثية التي تقتلع كل الذكريات الجميلة والعذبة، وتحرق كل تلك الجنان التي سحرته وسحرت غيره من رفاق الطفولة
والصبا، لذلك تصبح هنا لدى الفنان حالة أشبه بالسباق المحموم بينه وبين الزمن لتثبيت كل تلك المعالم الساحرة وجمالياتها على
سطح اللوحة.

إنه يرسم ويدون تلك اللحظات الشعورية التي تلبَّست فيه في مرحلة التجلي الصوفي والروحي من طفولته وإن لم يدرك ذلك المعنى
وقتها، ولكن أحسها وعاشها وسافرت تلك العناصر المكانية والجمالية في روحه حتى تجلى له مالم يتجل لغيره.

الكتابة الشعرية أعطت لهذه الأعمال، إضافة الى البعد الروحي، بعدا جماليا بسبب البنية التكوينية لرسم الحرف العربي فتعطي
مجتمعةً شكلا جماليا رائعا، كما نشعر أن الفنان كان يريد أن يحيط مدينته وإن كانت في هذه المرحلة ليست هي (راوة) بذاتها قد
تكون هي بغداد التي انتمى إليها بعد الدراسة والعمل فيها، ولاشك أن بغداد كان فيها شيء من الامتداد لذلك الفضاء الصوفي
والتركيب الجمالي الذي افتقدهُ الشاعر حين رحل عن مدينته الأم (راوة), لأن التركيب البنائي في هذه المدن هو أقرب لمدن بغداد
القديمة كالأعظمية والكاظمية والصالحية وغيرها، خصوصا وجود المثلثات الملونة بالألوان الباردة والحارة في أعماله وهذا مانجده
في بيوت بغداد القديمة، إذاً نستطيع أن نقول إن الراوي في هذه المرحلة جعل من فضاء بغداد ببعديها الزماني والمكاني امتدادا لمدينته
البكر الأولى، فجعل على جانبيها سياجا من الشعر والكلمات، وفي وسطها يضع آيات من القرآن الكريم وكأنه يضع حولها التعاويذ
والطلاسم، ونجد الطيور تقف بوداعة عشقية على أطراف مبانيها وكأنها تعلن عن وداعة المدينة.

المرأة لدى الراوي كانت ولازالت ذلك الكائن الآسر المستحوذ على عناصر الجمالية في هذا الكون وهي رفيقة الوداعة والطهر
والجمال، لذلك كانت المرأة لاتفارق أعمال الراوي على امتداد تجربته الرائعة ،هي ذلك الوجه الآسر الذي يظهر مرات عدة في سماء
مدينة (راوة) ليزيد من حسنها الأخاذ، كماجسد ذلك في أكثر من عمل لهُ,وهي ذلك الكائن الوجودي الأسطوري الذي يعطي
للمدينة سر الخلود كما كان الطائر يبشر بذلك وهو يرافق المرأة في هذه الأعمال.

كان الفنان نوري الراوي وسيبقى هو وتجربته الممتدة لأكثرمن خمسين عاما السر الجمالي وذلك الطهر النقي الذي يبوح لنا بسر خلود
المدينة وظهورها بهذا الجمال العابق الساحر كما في مدينة راوة ، وبغداد وباقي مدن العراق، فهو لايرسم المدينة وتكرارها كما يعتقد
البعض وإنما في كل لوحة يعنون لمرحلة ويدون النص الذي يحكي قصة ويروي حكاية تلك الحقبة الزمنية من عمر هذه المدينة أو
تلك، يدون الهامش والمتن للفعل السلبي والقبح السلوكي مرة، وأخرى يدون الروح الجمالية لإنسانية الإنسان الذي ترتقي المدينة به الي
أحلى حقبها التاريخية حتى يسمو بها الى حالة الوجد الصوفي الآسر المنطلق الى أقصى أعماق الخلق الجمالي، إذاً، سحرتهُ مدينة (راوة)
من حيث لايدري وأطلق ذلك العنان لقلبه الطاعن بالعشق للبوح بسر خلود مدن العراق جميعاً.


شاهدي أيضاً :



تعليقات الفيسبوك