القراءة الأولى .. حنين للطفولة وبحث عن منابع الإبداع

منوعات
35.3K
0


القراءة الأولى .. حنين للطفولة وبحث عن منابع الإبداع

جوان تتر

القراءة فعل إبداعي بامتياز , يرى إيمرسون أنَّ ( هناك قراءَة مُبدِعَة تمامَاَ كالكتابَةِ المُبدِعَة )
ودائماً يُمَثِّلُ الكتاب الذي يقرأهُ الإنسان مُفْتَتَح لقراءات تتأتَّى مع الخبرة والتطور المعرفي , وقد رأى
ديكارت أن قراءة الكتب الجيّدة مثل التخاطُب مع كافَّة العقول الذكية في الماضي …. لأهمية القراءات
الأولى في تشكُّل الوعي توجهنا بالسؤال التالي إلى كوكبة من الشعراء والمثقفين العرب:ما هوَ الكتابُ الذي

أثَّرَ في حياتِك وما هو الإنطباع الذي تكوَّنَ إثْرَ هذهِ القراءة ؟

– الشاعرة المصرية رنا التونسي: قراءة الكتب المبسَّطَة

بدأت القراءة بقصص مبسطة للأطفال عن الأنبياء وكنت أحبُّهَا جدا والآن لا أذكر أي منها, لا أعرف لماذا
نسيتها. لقيتها مصادفة في بيت بنت عمي وكتب المكتبة الخضراء. بعدها عثرتُ على كتب احسان عبدالقدوس
مصادفة أيضا وأحببته وقتها لأني شعرت وكأني أصنع فيلمي الخاص من كتابته وأضبط الإضاءة وكل شيء.

بعد أن كبرت قليلا كان أول ديوان شعر أقرأه هو مختارات شعريَّة لسعدي يوسف أعدتها فريال غزول.
وبعدها بدأت القراءة والاختيار بالمعنى الحقيقي. أحفظ أشعارًا للماغوط ولمحمود درويش ولجويس منصور
وأيضا للرومي وأتمنى أن أكتب كلمات العديد من الشعراء والكتاب . كل كتاب جيد أقرأه يبدو ناقصا
لأني لم أكن اليد التي كتبته. أشعر بالعظمة والامتلاء حين أنتهى من قراءة كتاب جميل. لكن اشعر بنهم
جديد للقراءة ومحاولة الكتابة والوقوف جنبا بجنب مع الكلمات.

-الشاعر السوري باسم سليمان : باتريك زوسكيند أولا

لم أكن أحبّ كتب أبي, فلا يوجد فيها صور, إضافة لأثر سيء أوجدته, من مشاحنات بين أبي وأمي – شكوى
ترد دوماً لدى الكتّاب!؟- وفي حصار الثمانينات الاقتصادي وعندما صارتْ علبة المحارم تقدم كواسطة
ورشوة دفع أبي بكتاب تلو كتاب لبيت الأدب –w.c – لم تكن قصة محارم بقدر ما كانت ردة فعل منه كما
حدث لأبي حيان التوحيدي؛ وهكذا وبسبب إكراهات تناول الطعام – تشبه إكراهات اللغة- وما يرتبه من
حاجات وجودية – قلْ لي كيف تتغوط أقول لك من أنت- وبعد قضاء الحاجة كنتُ أمزق ورقة و…. !؟

لكن؛ كون الاكتشافات تحدث صدفة وقعتْ عيني على صفحة من كتاب ألف ليلة وليلة, عرفتُ فيما بعد أنها
منقحة ومن الغرابة أن يكون التنقيح سبباً في تشويه النص وبدأت بالقراءة ومن حسن حظي أن حال
معدتي لم يكن جيداً, ونتيجة لذلك قرأتُ في ذلك اليوم عشر صفحات وبعد ذلك صرتُ استعير قسماً من الكتاب
ثم أعيده لضرورات الأمانة , فتعرفتُ على أفلاطون الذي قال جملته الشهيرة: أعرف نفسكَ واكتشفتُ, أنه
سرقها من المعابد الفرعونية في مصر وقرأت أمهات الكتب في تراثنا ووليمة لأعشاب البحر وزوبا والمتنبي
وغيرها الكثير.

وعندما انتهتْ الأزمة وصارتْ الصناعة الوطنية من المحارم تكفي إكراهات المعدة؛ تركتُ القراءة. الآن
أدين للرف الذي في بيت الأدب- w.c- ولأزمة المحارم.
وبخصوص التخييل/ السؤال, فالكتاب الذي وشمني كان رواية باتريك زوسكند – العطر, قصة قاتل- التي
صدرتْ في بداية الثمانينات ولكن قرأتها متأخراً بما ينوف على خمسة وعشرين سنة.

-الشاعرة رجاء طالبي: القراءة كانتماء لشجرة نسب لاتكف تجديد دمائها
ا
لايمكن الحديث عن كتاب أول حين يتعلق الأمر بالقراءة ، لأنها لا تكف تجدد دماءها وأماكن عبورها وما كنا
نظنه الأول تقادم من التقدم في الرحلة لنفسخ جلد قراءتنا وننتمي لكتاب سيكون الأول في تاريخ
ولادتنا المتجدد دوما. لكن هنالك كتب مرت ولم تشكل قراءتها مجرد عبور عادي بل كانت فعل تورط جسدي
ووجودي يحدد مصير الإنسان ليقتلعه من وجودات هانئة واهتمامات يومية حيث الهم سلطة تنتزع من الفرد
كل نزوع للاختلاف والانزياح عن الانشغالات الجماعية .

سيمنحني اللقاء بكتاب بلانشو” الفضاء الأدبي هبة الانتماء للخارج المفتقد للحميمية، نوع من المنفى
الاختياري انتزعني من نفسي ليرمي بي في الإقامة والانتماء للغريب ، افتقاد لكل ما يجعل الأنا أنا
لتكتشف الإقامة في “هو” مفتقد للحميمية داخل عزلة مسكونة برغبة غريبة وأليمة للانسحاب من الواقع
يخال المرء نفسه خارج الواقع متجذرا في نداء الأصول البكماء للأشياء، نداء ابكم وحدها القراءة/
الكتابة تمتلك أن تسير نحوه لتقول صعوبة قوله وانتمائه لهذه المنطقة المجهولة الخفية الملغزة. نقرأ
لننحت عبر فعل القراءة طريقنا وسط الصحراء لنؤلف حركة ارتحالنا اللانهائي لتشكيل شجرة نسب للقراءة
: كتاب فيها يفتح أمام خطوك مسيرا تيها للبحث عن كتاب آخر يؤدي هو الآخر إلى كتاب ، شجرة نسب لا
تكف تجدد دماءها مع تجدد أسئلتها وأمكنة القراءة.

سيفتح كتاب” الفضاء الأدبي” ذهابا مختلفا نحو أمكنة للقراءة تشتغل على الفراغ قبل الملء. إفراغ
الذات من امتلاءاتها، من تراكماتها، من طبقات تشكلت تباعا من فعل قراءة يمكن أن نقول عنها سكونية
سلبية. سيكون هذا الكتاب بمثابة إنصات مختلف للجسد وللعالم ، قراءة تكسر العلاقات الجماعية لتضع
موضع السؤال الذات كهوية وكطارئ بين الداخل والخارج. طارئ يعترف ويعكس طوارئ تكيفات اجتماعية
يتخلى عن أنا مثقلة ليبحث عن الإقامة في “الهو” يسعى لنحث لغة لا يتكلمها أحد، ولا تتوجه لأحد، لا
مركز لها، ولا تكشف عن شيء، بحيث عبر هذه اللغة يؤكد ذاته ، لكن ما يؤكده هو حتما انتماءه لهذا
المنفى حيث هو منفصل عن ذاته. سيكون هذا الكتاب بمثابة انقطاع ، ابتعاد لا يكل يبحث عن كلام
ينزاح عن سلطه الاستعارية داخل إطار أنطلوجي مختلف كليا عن إطار التعبير اليومي.

-الروائية المصرية أميمة عز الدين: يوسف ادريس في الذاكرة

أول كتاب كان الحرام للكاتب يوسف ادريس، كنت صغيرة جدا على تلك الصدمة التى تلقيتها وانا اقرأ
فاطمة ومحنتها هى وزوجها العاجز المريض عبد الله ، الريف المصرى كان متمثلا بضراوة وكرهت تلك
الشخصيات التى تواطئت وهزمت فاطمة حتى جعلتها تقتل وليدها فى نهاية المطاف، الانبهار والصدمة لازمانى
مدة طويلة جعلتنى أعيد التفكير فى أشياء كثيرة حولى ودفعنى هذا لشراء كل مؤلفات ادريس حتى وجدت
اوسكار وايلد وبطله دوريان جراي…

كانت فترة هامة بحياتى أشعرتنى ان هناك دنيا أخرى لم أعشها ….حيوات وافكار وجنون وعبث ..كل ما
تتخيله دار بعقلية طفلة كبيرة فى الخامسة عشر ، من المفروض ان تقرأ قصصا للاطفال وجزيرة الكنز
واليس فى بلاد العجائب , القراءة هى أيضا تكوين منهجى وفعال فى شخصية الكاتب ..أذكر شغفى بقراءة
كل ما يقع تحت يدى حتى لو كان ساندوتشا ملفوفا بورقة مجلة لامعة…تراكم القراءة يعطيك تراكم معرفى
هائل ويشجعك على الكتابة الحذرة ايضا الكتابة فعل شاق خاصة ان كانت لا تمارس بيسر وحرية وايضا
القراءة.

-الشاعرة السورية رنا سفكوني : تشيخوف في المقام الأول

أول كتاب قرأته بحياتي لا أذكر اسمه ,لكنه كان عن الماركسية , يمكنني القول ان ما قراتهُ واثَّرَ فيَّ
فعلاً هي مسرحيَّة ( عرض زواج ) لأنطون تشيخوف , بعد قراءة الكتاب احببتُ المسرح , فاللغةُ هيَ البساطة
والمسرحُ رديفٌ لبساطَةِ اللغةِ وفي ذاتِ الوقت فهمتُ كيفَ أعملُ ببساطةٍ وعمق , هو في النهاية تجريب , لكن
فعلاً أنطون تشيخوف جعلني أحبُّ اللغةَ البسيطة والتفاصيلَ الصغيرة بحياتِنَا …

-الروائية السورية لينا هويان الحسن: إعادة قراءة الف ليلة وليل
ة
ثمة عدة كتب إولى . لكن كتاب الف ليلة وليلة هو كتابي الأول المفضل والذي أعدت قراءته على مر
السنوات وأحيانا قد اكتفي بتصفح أحد اجزاءه. وجدته يشبهني فمنطق شهرزاد يتفق مع منطقي:أؤمن
بحقيقية الخرافات والكائنات اللامرئية والشبحية والجنية وغير ذلك مما يسميه الناس “خرافات” أؤمن
بالسحر والسحرة وفي ألف ليلة وليلة عثرت على العالم الأدبي الوحيد الذي يشبهني ويشبه عالمي
الصحراوي الذي كبرت فيه.

-الشاعرة التونسية إيناس العباسي : تواتر القراءات

حاولت أن أتذكر أول كتاب حقيقي قرأته دون جدوى…ذكرى غائمة تعيدني إلى طفولتي ذات صيف والضجر
يستبد بي بخطى حذرة تسللت لغرفة اخي الذي يكبرني بسبع سنوات والذي يمتلك كتبا كثيرة كتبا تكبرني
وتثير فضولي وحماستي وهكذا وجدت النبع الأول الذي نهلت منه روايات بوليسية للناشئة…
لكن الكتاب الحقيقي نصحتني به والدتي في نفس الصيف حين ضايقتها بتذمري من الملل فنصحتني بكليلة
ودمنة…وهكذا وقعت في فخ الكتب والحكايات الساحرة التي سافرت بي في مشارق الأرض ومغاربها…

أذكر جيدا الأيام والليالي التي تلت تلك القيلولة بحي ثلم يكن الكتاب يفارقني لمسة من السحر لم أعد
اشعر لا بالوقت ولا بالحر كنت افكر في مغازي الحكم وأتخيل الحيوانات وعند آخر صفحة من الكتاب دخلت
لمكتبة اخي وتجاهلت الروايات البوليسة لألتقط كتبا عن عنترة ابن شداد وأحد اجزاء ألف ليلة وليلة
ورواية فلسطينية لا أتذكر اسم كاتبها الآن…

بالتالي ليس كتابا واحدا بل مجموعة من الكتب سحرتني وجعلتني أفكر وأتأمل وقضت نهائيا على شعوري
بالوحدة والضجر.

-الإعلاميَّة السورية رشا عباس: أنطون سانت إكزوبري

من أصعب الأسئلة تلك التي تطلب تحديد كتاباً بعينه من بين الكتب التي قد تكون تركت بصمتها، لكن دون
تفكير بالموضوع ما إن أسمع سؤالاً كهذا يقفز إلى ذهني كتاب:”الأمير الصغير”، أن أتمكن من شرح السبب
الواضح لكون هذا الكتاب صاحب الأثر الأكبر هو صعب وأنا لا أعرفه، أستطيع أن أقول فقط أن هذا
الكتاب كما أراه ضربٌ من ضروب العبقرية الحقيقية، أستطيع أن أقول أنه جزء من كومة أشياء صغيرة
سترافقني أينما توجّهت، ولا أكف عن محاولة إعادة قراءته بين كل فترةٍ وأخرى، واكتشافَ أشياء فاتتني في
المرات السابقة، ربما قد يبدو هذا جنوناً ومضيعةً للوقت لكنه حقيقة.

-الشاعر السوري عماد الدين موسى: قراءات الشعر

أولاً لا أتفق مع إيمرسون بقدر ما أتفق مع ديكارت، فالقراءة ليست عملية إبداعيّة بقدر ما هي إكتساب
معرفي، ثانياً الإبداع يحتاج إلى قارئ جيّد ولكن شتان ما بين المبدع والقارئ، وإذا كانت الكتابة منبع
السيل – على سبيل التشبيه – فالقراءة ستكون المصب بكل تأكيد.

أما عن الكتاب الأول فأعتقد أنه كالمنزل الأول أوالمعشوقة الأولى، أن تلتقي فيما بعد بأخريات, هيهات
أن تستطيع لحظة واحدة نسيان هذه “الأولى”، ما زلتُ أذكر – حين كنتُ في الرابع الإبتدائي – عندما جذبني
عنوان وغلاف كتاب متوسط (أصغر من دفاترنا المدرسية) بقي كتابي الأثير لأعود إليه فيما بعد بين حينٍ
وآخر، وعندما أهديت هذا الكتاب إلى من أحببت، تركتُ في الإهداء (هذا كتاب حياتي) إنه ديوان (بسيط
كالماء، واضح كطلقة مسدس) للشاعر السوري الراحل رياض صالح الحسين – كما الصرخة الأولى، والقبلة
الأولى، والعناق الأول- كان كتابي الأول:

“أنا حبّة عنب حلوة
تعالَ وامضغني بأسنانك الرقيقة
أنا شجرة حب قريبة
اهرب إلى ظلي من شمس أيلول

أنا زهرة برية
تحت جنزير دبابة
ألا تريد أن تقطفني قبل أن أموت؟”.
وهو الديوان الثالث لرياض صدر قبيل وفاته:
“لمن أتحدث اليوم
الإخوة أشرار
والأصدقاء ليسوا أصدقاء حب.

لمن أتحدث اليوم
القلوب قلوب لصوص
وكل رجل يغتصب ما عند جاره”.

-الروائية اللبنانية ديالا بشارة: مجلة سامر للأطفال

مجلة سامر للأطفال ودون كيخوته غيرتا حياتي..الموضوع الأهم الذي غير مجرى حياتي هي مجلة الأطفال سامر.
كنت وقتها في العاشرة من عمري عندما لفت نظري رسوم صغيرة لرجل طويل وآخر قصير وفرس وحمار وطواحين
الهواء وحربهما الوهمية لناس وهميين.
هذه الرسوم دفعتني أن أشتري المجلة وأقرأ بنهم واستمتع بها.

كانت طواحين الهواء القديمة والرمح الطويل لدون كيشوته قد اخترقتا عقلي وغيرتا مجرى حياتي.

لقد انتقلت من الطفولة إلى الصبا في طريقة بحثي الدائمة عن الجديد. يشدني الخيال لمعرفة تسلسل
الأحداث لهذا القصة المرسومة بدقة لتتناسب و عقل الطفل وحلمه الأول بالبحث عن الجديد. رحت أنتظر كل
أسبوع بفارغ الصبر صدور العدد الجديد. أذهب إلى المكتبة برفقة والدتي لأسال عن مجلة سامر. أحياناً
كثيرة تتأخر المجلة في الصدور وتبقى عيناي معلقتان على المجلات والجرائد التي يضعهم البائع عند باب
مكتبته. وما أن أحصل عليها حتى أبدأ بالقراءة في الشارع وأقلب الصفحات برغبة منقطعة النظير.
كذلك رحت أبحث عن الأعداد القديمة للمجلة. أسال الأطفال الصغار من عمري والكبار بالسن وأصحاب
البسطات على نواصي الشوارع والمكتبات.

كانت الرسوم الصغيرة والصور تسحرني. وتدفعني للقراءة وأكتشاف سحر الحياة والقصص الكامنة وراء
الحقائق.

الرجل النحيف, الطويل, الرفيع الذي عاش في عصر الفروسية والبطولات الشخصية والوهمية. الذي عاش
حياة وهمية حالمة جدًا. وبعيدة جدًا عن الواقع. وبحثه الدائم عن العدالة والحق والجمال.

كان دون كيخوته قارئًا نهمًا للكتب. وفي أماكن قديمة استطاع الحصول على رمح قديم متأكل ودرع وفرس
هزيل وراح يتجول برفقة صديقه سانشو. كان منظر الرجلين بالرسوم الملونة لدون كيخوته وقبعته ولحيته
المشذبة وهو على فرسه وسانشو القصير البدين على حماره في طريقة سيرهما وانتقالهما قد تركا أثرًا جميلًا
في نفسي ونما في عقلي حب القراءة والاطلاع من خلال الشخصية الكوميدية المغامرة الحالمة لكلا الرجلين
البائيسين.

شكلت هذه القصة بد حياتي الثقافية ومدخل إلى عالم القراءة والمطالعة والبحث والتقصي للعالم. مما
دفعني فيما بعد إلى قراءة الرويات العالمية كالطاعون لألبير كامو والبؤساء لفكتور هيجو والنفوس
الميتة لغوغول وغيرهم من الرويات. كما دفعتني دهشة القراءة إلى الاطلاع على الفلسفات العالمية
والأبداعات ورجال التاريخ والأدب والسياسة.

-الإعلامية الفلسطينية نجاح عوض الله: ماجدولين للمنفلوطي

المعرفة هي حصيلة ما نقرأه ونعايشه في الحياة ،وقراءة الكتب الجيدة لا تتأتى إلا مع الوقت والتجربة
أي بمعنى بعد القراءة التأسيسية التي تؤسس ثقافتنا والتي تتعلق عادة بكتب التراث والدين والأساطير
… إلخ ، ليس هناك من كتاب واحد أثر في حياتي ، كل كتاب قرأته وكأنه يحمل بصمة خاصة به ، فما
الثقافة إلا مزيج من كل ما قرأناه.

أذكر رواية المنفلوطي” مجدولين تحت ظلال الزيزفون”وهو بالمناسبة أول كتاب قرأته، لا أنسى كم من
الدموع ذرفت، وكم تأثرت وظننت أنه أفضل الكتب على الأطلاق.

بعد ذلك عندما تنخرط في عالم القراءة وتنضج وتتنوع في قراءاتك لا تملك سوى الإبتسام أمام ما مررت به
من مشاعر ومعايشة مع شخصيات وأفكار على الورق.

هو الوقت الكفيل والقراءات المتعددة التي تجعل لديك خبرة ومقدرة على فرز الكتب غثها من سمينها.

-الشاعر السوري خوشمان قادو: نيقولاي ميكيافيللي

من الصعب تذكّر أول كتاب قرأته وذلك لما أملكه من ذاكرة شعورية، في مرحلتي المبكرة للقراءة
والتعامل مع الكتب لم تكن في إطار الوعي المدرَك، لذا الحديث عن الانطباع المكوّن في تلك المرحلة لم تكن
في المستوى المعرفي المراد تحقيقه، حيث أقبلتُ على كتب لم تكن متوافقة مع الحالة المعرفية لدي حتى النسق
اللغوي نفسه كان يشكّل بالنسبة إلي بعض الارتياب.

لكن من الكتب التي قرأتها في بداياتي والتي شكّلت حيّزاً شاسعاً في أفقي كان كتاب الأمير لـ نيقولاي
ميكافللي، حينما أنتهيت من قراءة الكتاب شعرتُ ببعض الاشمئزاز لأنني لم أستطع أن أفهم ما كان يقصده
ميكافللي من كل تلك الرسالة واستوقفتني عبارته الشهيرة “الغاية تبرر الوسيلة”، خاصةً بعد اطلاعي
على بعض أفكار الفيلسوف كانط وعبارته الشهيرة ” إذا كان مقتل طفل يسعد البشرية لكان قتله
جريمة”، لكنني أدركت فيما بعد أنّ غاية ميكافللي هي مغايرة تماماً لغاية كانط.

لقد حاول ميكافللي بكل الوسائل أن يبيّن طبيعة الإنسان ككائن حيوي في هذا العالم ومن الضروري جداً
فهم ماهية هذه الطبيعة، وإن إخراج الإنسان خارج إطار هذه الطبيعة وطرحه بمفاهيم أخرى يضعنا أمام
تناقضات شتى من شأنه عدم مقدرة الإنسان على شق طريقه بالوسائل التي تمهده له طبيعته.

أعتقد أنّ هذا التصوّر خلق لدي نوع من التماهي مع الطبيعة بشكل أعمق وتبيّن لدي فشل الكثير من
الحركات، النظريات أو حتى الأحزاب في تسخير الإنسان لمصالح بعيدة تماماً عن طبيعته، أي كانت في صِدام
مباشر مع الطبيعة الإنسانية، لهذا ليس دائماً الغاية هي التي تبرّر الوسيلة، لذلك إدراك معاني
المفاهيم والمصطلاحات جزء أساسي من إدراك معنى أي كتاب نقرأه.

-الكاتبة دلع المفتي: الأجنحة المتكسرة

كتاب جبران الاجنحة المتكسرة اثر فيني كثيراً ,هو جعلني اقرأ النبي طبعاً هذا كله بعد الشاعر نزار
قباني وقصائده.

من هذه الأجوبة نستنتج أمور عديدة لعل أهمها أن القراءة تظل فعلاً إبداعياً محرِّضاً على الإبداع , تختلف
القراءات حسب كل ذائقة ويبقى الإستفادة من قراءة أي كتاب واقفاً على الإتجاه الذي يهتم به القارئ


شاهدي أيضاً :



تعليقات الفيسبوك