الروائي أمير تاج السر: التنوع الثقافي سر تميز الأدب السوداني

منوعات
26.2K
0


الروائي أمير تاج السر:  التنوع الثقافي سر تميز الأدب السوداني

“الكتابة بالنسبة إليّ تعذيب، فأكثر الأيام كآبة عندي هي الأيام التي أكتب فيها لأني لا أنام بصورة
كافية، ولا أتعامل مع أسرتي تعاملا راقيا، ويحتشد ذهني بالفكرة التي أكتبها ولا أستريح إلا بعد أن
أنتهي مما أكتب.

حينما أعثر على بداية الخيط استمر في الكتابة بشكل يومي، وأكتب نحو ألف كلمة في اليوم دون تخطيط،
وعندما أكتب هذا العدد من الكلمات أتوقف تماما عن الكتابة فأشعر بإرهاق”.

هكذا يلخص الروائي السوداني أمير تاج السر علاقته بالكتابة، ليضيف إلى ذلك أن الكتابة جرثومة

أصابته ولم يُشفَ منها، وهي تتجدد في كل كتاب لديه، ولكن دون أن يكرر نفسه.


هنا حوار مع الروائي أمير تاج السر، حاولت من خلاله تعريف القارئ بالأدب السوداني والتطورات التي
طرأت عليه:

* ثمة من يتحدث عن دور رائد لعبته (كلية غردون التذكارية) التي أسسها البريطانيون في بناء الأدب
القومي السوداني وأن معرفة السودانيين باللغة الانكليزية معرفة أهلها لها، وفرت لهم الإطلاع على
الأعمال العظيمة في هذا الأدب، ثم هناك حركات التنوير مثل الثورة الفرنسية وغير ذلك، هل تتفق مع أن
بداية التنوير في السودان جاءت على يد البريطانيين؟
-إنشاء كلية غردون التذكارية كان بالفعل بداية لحركة تنوير كبرى في السودان، فمن هذه الكلية تخرج
العديد الذين أصبحوا في ما بعد رجال السودان المقاومين للاستعمار نفسه، ولا أحد ينكر دور الإنكليز في
ذلك التنوير. لقد كان الجهل كبيرا بدرجة لا تصدق. وكان التعليم في أيدي المتصوفة، كما وضحت في روايتي
الأخيرة: “أرض السودان”، وهو تعليم غير نظامي بالمعنى النظامي للتعليم، أيضا تخرج في تلك الكلية من
أصبحوا شعراء ومؤرخين وأطباء وغيرهم.

*يقصد بالأدب السوداني الحديث ذلك الذي “بدأ في الظهور مع بداية النشر الحديث من مطابع وصحافة ومن
انتشار للتعليم عبر المدارس النظامية، المقرونة جميعها ببداية الاحتلال الإنكليزي للسودان سنة 1898،
وظهور جريدة “حضارة السودان” عام 1919 كأول صحيفة وطنية، كما ظهر أول كتاب “شعراء السودان” في
العام 1923 أعده ميخائيل نعيمة، وحوى تراجم وقصائد مختارة لـ(37) شاعرا سودانيا ممن يلتزمون
بالقصيدة العربية لغة ومبنى”، هل يحمل المستعمر بذور نهايته، بنشره منتجات حضارته الإنسانية بين
سكان مستعمراته؟
-ليس بالضرورة، أعتقد أن المستعمر برغم شروره وسطوته، يحتاج أيضا للوطنيين كي يساعدونه في إدارة
البلاد التي يغزوها، هو بحاجة لمتعلمين وبحاجة للمشايخ الذين كلفوا بالإدارة الأهلية، بسبب معرفتهم
العميقة بالبلاد وأهلها، وأيضا بحاجة لمن يذكره بالخير حين يذهب. لقد كان استعمار بريطانيا للسودان
استعمارا تقليديا، اعتمد على مد النفوذ ولم يقدم المستعمر للبلاد أشياء مستقبلية عديدة، وحتى
الطرق التي أنشئت والميناء وخط السكة الحديدية كانت لصالح القوة المستعمرة، في البداية، وأعتقد أن
بريطانيا لو كانت تريد أن تظل لفترة طويلة في السودان لفعلت أكثر من ذلك، وهنا أقارن المسألة
بالاستعمار الفرنسي للجزائر مثلا، الذي فصل البلاد على مقاسه، وأقام فيها إصلاحات بلا حصر.


*تتلخص رؤية الشاعر والأديب السوداني حمزة الملك طمبل حول الأدب السوداني في قوله: “نريد أن يكون
لنا كيان أدبي عظيم، نريد أن يُقال عندما يَقرأ شعرنا من هم في خارج السودان: إن ناحية التفكير في
هذه القصيدة أو روحها تدلّ على أنها في السودان، هذا المنظر الطبيعي الجليل الذي يصفه الشاعر هو
حالة السودان، هذا الجمال الذي يهيم به الشاعر هو جمال نساء السودان، نبات هذه الروضة أو هذه
الغابة التي وصفها الشاعر ينمو في السودان…”، هل تمكن الأدب السوداني من تحقيق بصمة ذاته وهويته
الخاصة؟
– طبعا، مثله مثل أي أدب عربي أو عالمي، حقق الأدب السوداني ذاته، الطرح المختلف عن الطروحات
الأخرى، اللغة المستخدمة، الجو العام، حيث يحتفظ السودان بهويتين: عربية وإفريقية، وبذلك حصل
التنوع، وحين تقرئين لكاتب أو شاعر سوداني تعرفين بالضبط موطنه، حتى الذين عاشوا خارج السودان من
أمثالنا، أو الذين تأثروا بالثقافات الأخرى مثل الثقافة المصرية، في أدبهم توجد رائحة السودان
قوية، وتمازج ثقافتيه واضح جدا.

نحن نكتب، أعني في الرواية، بواقعية خاصة جدا، لدينا أساطير تخصنا وحدنا، وموروثات شعبية تخصنا
وحدنا أيضا، ولدينا خامات كتابة ما زالت مغطاة، لم تكشف بعد. الطيب صالح والذين سبقوه كشفوا
شيئا من تلك الخامات، وجيلنا أضاف، وما زال يضيف… نعمل على ترسيخ الهوية الكتابية للسودان
بقدر ما نستطيع.

*يرجع بعض النقاد سبب تهميش الأدب السوداني في المشهد الثقافي العربي إلى أن بعض النصوص المبدعة تكون
سجينة سقف بيئتها المحلية ولا تكاد تتجاوزها؛ وبسبب سياسة التوزيع المجحفة في حقها، ثم هناك غياب
مؤسسات متخصصة في السودان وتبقى الجهود الشخصية التي يتجشمها المبدع السوداني كي ينقل أدبه من
مكان إلى آخر في غياب جهود النقاد والمؤسسات، هل هو التقصير من جانب السودان وحده، أم هو تقصير من
جانب العرب أيضا؟
– تتحدثين عن الماضي، قبل أن تحدث ثورة الاتصالات الواسعة التي أتاحت لكل المبدعين ليس في السودان
وحده، التواصل مع العالم، المؤسسات الثقافية التي تدعم الثقافة محدودة للغاية، هذا واقع، ولكن لم
يعد عائقا أمام أحد مثلما كان في الماضي، الآن لم يعد الأدب السوداني مغمورا، وحتى لو جاء ذلك
بالجهود الفردية.

موضوع المحلية هو موضوع ثانوي في رأيي، ولم يكن يوما ما صخرة تسد باب الظهور للأدب السوداني، الذي
حدث كان غياب الإعلام، وغياب من يتبنون إبداع السودان، وكما قلت، لقد تجاوزنا هذه المرحلة، ولدينا
الآن كتاب ينشرون في أكبر الدور العربية، وتترجم أعمالهم إلى لغات أخرى، ونحضر باستمرار معظم
الفعاليات العربية والعالمية في مجال الأدب.

*كما الآداب الأخرى فإن المشهد الثقافي السوداني مُصاب بأزمات مجتمعية عديدة، لكن الاختلاف بين الأدب
السوداني وبقية الآداب الأخرى يأتي من تسلّط الأزمات الفردية الناتجة عن الأزمات المجتمعية الكبرى
فالمثقف أوالمبدع السوداني أكثر حساسية من غيره تجاه مثل هذه الأزمات، هناك أيضا هاجس التهميش
الذاتي حيث الإحساس بتدني تقديره لذاته، وهناك العكس تماما، أي تضخم الأنا التي لا تساعده على
التأقلم والتكيّف مع الواقع الاجتماعي بشكل منسق، هل تتفق مع هذه الرؤية أو مع هذا التقييم؟
– هذا لا يخص السودانيين وحدهم، الأزمات موجودة في كل مكان، ومشكلة ضيق العيش وازدحام المبدع بأعباء
الحياة، مما يقلل من نتاجه، موجودة في معظم مجتمعاتنا العربية، وبالنسبة إلى الشعور بتدني الذات،
لماذا هذا الوصف؟ لسنا أقل من غيرنا، لنشعر بتدني ذواتنا، وبالنسبة إلى تضخم الأنا، على العكس، ما
زال السودانيون تحت ظل التربية الصوفية، ومن أهم سماتها التواضع، لم أسمع بكاتب أو شاعر سوداني
متضخم الأنا أبدا، ولو احتككت بالمجتمع السوداني لعثرت على نماذج بسيطة وسهلة في التعامل بصورة
محيرة، ليس الأمر منصبا على الكتابة فقط، ولكن حتى لدى المسؤولين في الدولة، ونجوم الغناء، وغيرهم.

*ثمة فسيفساء ثقافية اجتماعية في السودان، هل استفاد الأديب السوداني من ذلك؟ وكيف بتقديرك تعامل
معها؟
– طبعا استفاد كثيرا، وقد قلت لك إن تنوع هذه الثقافات في بلد واحد أنتج أدبا متنوعا داخل الإطار
العام المميز للأدب السوداني، بيئة الشرق كتب عنها، وكذا بيئات الشمال والجنوب، شخصيا استفدت من
تلك الفسيفساء، وكتبت روايات متنوعة، بعضها من الشرق وبعضها الآخر من الجنوب والوسط.

*شعرت بالضيق من حدوث الانفصال بين الجنوب والشمال، لهذا كتبت روايتك “رعشات الجنوب” التي تتحدث عن
العلاقة بين الذين يعيشون في الشمال والجنوب؟ كيف تتعامل مع توصيف وتفريع الأدب السوداني إلى أدب
الغابة وأدب الصحراء؟
– الغابة والصحراء مدرسة كتابية، أو تنظير روّج له بعض مبدعينا في الستينات من القرن الماضي، مثل
النور عثمان، ومحمد عبد الحي، ومحمد المكي إبراهيم، شخصيا لم أنظر إلى كتابتي من نواحٍ تنظيرية، أكتب
ما أراه مناسبا للكتابة.

و”رعشات الجنوب” كتبت قبل حدوث الانفصال، لكن مع إرهاصاته، وفيها أمسكت بالمشكلة من جذورها،
مشكلة الجنوبي والشمالي الذي يعيش في أرضه بشيء من التعسف، المشكلة العرقية، التي لم تتح لحب مثل حب
النحات تايلور تيلا، والعربية رضيانة الخضر، أن ينمو إلى رباط مقدس، مشكلة التجارة التي يحتكرها
أهل الشمال، والمشكلة الكبرى التي خلقها المستعمر وتركها تنمو حتى بعد رحيله.

كل ذلك قاد لتلك الرعشات، رعشات الجنوب، وقاد في ما بعد لانفصال الجنوب وتكوين دولته التي يراها
تناسبه. لا نستطيع أن نقول إننا أضعنا الجنوب بسبب تعقيدات حديثة، لقد كان الأمر قديما جدا.

*في “رعشات الجنوب” ما تؤاخذ عليه هو هذه النهايات السلبية التي تنسحب على معظم شخصيات الرواية،
الرئيسية منها والهامشـــية، فتتراوح بين الموت والاعتقال والانتحار والتسوّل والتشرّد والفشل والهرم
والفرار.. ألا يحتاج القارئ إلى فسحة أمل؟
– النص أراد مني ذلك، كل الشخصيات داخل النص كانت تملك طموحها، لكنها لا تملك قرارها، فرابح مديني
تاجر الحدود كان ثريا وناجحا، وأضاعه الوهم، وعمبابا صاحب السيرك كان محتالا، ويجب أن يدفع ثمن
احتياله، وكذا الحال بالنسبة إلى ريضانة وابنها الجريح، والنحات تايلور، حيث تذهب مصائرهم إلى حيث
أراد النص، يقولون لي دائما لماذا تركت الجريح يتيما وترفضه الفتاة الوحيدة التي أحبها، ولماذا لم
تترك أملا لتايلور حتى يتزوج حبيبته؟ هذه أشياء ليست بيدي، ودائما ما أضع النهاية التي يسوقني
إليها النص، لكن ليست هذه طبيعة كتابتي في الغالب، هناك أعمال ذات نهايات مبهجة.

*هل تؤمن بالدور التطهيري للأدب على غرار ما فعل المسرح اليوناني؟
– الأدب مهم بلا شك، مهم في مسألة التنوير وبناء المخيلة، لكن لا أعتقد أن له دورا كبيرا في مسألة
التطهير أو غيرها، الأدب ليس حاكما على أحد ليصدر قرارات واجبة التنفيذ، ودوره قد يكون مؤثرا
للذين يحبونه، فقط.

* تميل عادة إلى كتابة الرواية التاريخية، ولكنك كما تقول: “لا أكتب التاريخ كما يكتبه بعض الناس،
بل أتخيله فأدرس الفترة التي ستجري فيها أحداث روايتي”، هل تريد كتابة التاريخ بصوت أناس القاع،
أم هو جهد للتأريخ بعيدا عن تاريخ المنتصرين؟
– نعم، لا أملك تاريخا موثقا ولا شخوصا حقيقيين أعمل على إعادة إنتاج سيرهم، الذي أكتبه تاريخ مواز
للتاريخ الحقيقي، والذين أكتبهم ربما يكونون شخوصا معاصرين زرعوا في أزمنة قديمة، الذي يحدث هو أن
تتبنى إحدى الفترات التاريخية، وروايتي تكون مسرحا لها، ولا تستطيعين أن تشيري إلى أي شخص داخل النص
بأنه ذلك الشخص الذي ورد في كتب التاريخ. هذه طريقة ربما تعجب البعض وربما لا تعجب البعض الآخر.
وما يبهجني أن القراء يظلون يبحثون عن الحقيقة داخل النص المتخيل، مثل أسماء لكتب قرأها جلبرت
أوسمان في “أرض السودان- الحلو والمر”، ومثل شخصيات “توترات القبطي” كلها، وكذا شخصيات روايتي
الأهم: “مهر الصياح”. هذا ليس فرارا من شيء أو خوفا، ولكنها طريقة كتابة كما وضحت لك.

*أنت لا تعتبر الجوائز معيارا للكتابة، لكن لا يمكن إنكار دورها في وصولك للبوكر وفتح الباب لروايتك
نحو العالم؟!
– أنا لم أبدأ مع البوكر، هذه حقيقة، ولديّ رواية هي “العطر الفرنسي”، ترجمت إلى الفرنسية قبل
البوكر، ونالت رواجا لدى القراء بالفرنسية، لكني أعترف بأن شهرتي الطاغية لم تتحقق إلا بعد
البوكر، الذين لم يكونوا يعرفونني عرفوني بعد البوكر، وروايتي “صائد اليرقات” تترجم الآن إلى عدة
لغات، وستصدر قريبا بالإنكليزية والإيطالية. لكن أيضا وجدتني البوكر صاحب تاريخ كتابي وصاحب تجربة
طويلة، وهذا ما ساعد على الانتشار. وأعود لأقول لك إن الجوائز ربما تفتح الأبواب المغلقة، لكنها
ليست بالضرورة حُجّة على جودة الكتابة، ولا تستطيع أن تصنع كاتبا من العدم، عبده خال أيضا من
الذين وجدتهم البوكر يحملون تاريخا مبدعا، وذهب الناس إلى إعادة اكتشافه وقراءة أعماله التي لم
يكونوا يعرفونها.

*تقيم خارج السودان ولا تدري ماذا يحدث بالنسبة إلى الثقافة في الداخل، لكن لم يمنع أحد كتبك، وتؤكد
أنك لا تعرف ماذا يحدث في الحياة الثقافية في السودان. لماذا تبقى بعيدا عن المشهد الثقافي السوداني،
ألا تشعر بتقصير ما تجاه أجيال جديدة من الأدباء هناك؟
– أقيم خارج السودان بسبب الرزق الذي لن تمنحني إياه الكتابة، وليس في كتبي ما يمنع تداولها في
السودان، على العكس أحظى باحترام هناك، ولدي قاعدة من القراء، لكني لم أنقطع أبدا عن السودان،
وأذهب إليه في كل عام لقضاء إجازتي السنوية، وفيها أحتك ببعض المثقفين والمبدعين. لكن من الصعب
الإلمام بالمشهد الثقافي كاملا، وإن كانت الإنترنت قد سهلت المعرفة، وإمكان أن أتواصل عبرها.

وأستطيع أن أؤكد لك أنني أعرف أسماء كثيرة في السودان، وقرأت نتاج الكثيرين، لكن المشهد كاملا لن
أستطيع الإلمام به. هذا ليس تقصيرا مني ولا من أحد، وحتى الذين يقيمون بالداخل لديهم مشاغلهم التي
تمنع تلك الإحاطة الكاملة بكل شيء.

*”أرض السودان.. الحلو والمر” روايتك الأحدث وتستعرض علاقة الشرق بالغرب، وتحكي عن رحلة الشاب
البريطاني جلبرت أوسمان إلى السودان في ثمانينات القرن التاسع عشر. هل أردتها رحلة معاكسة لرحلة بطل
الطيب صالح؟
– ربما، هنا البطل يأتي لأرض السودان وليس العكس، البطل يتأثر بثقافة السودان وليس بثقافة
الغرب، الرواية ليست رحلة من أجل التعليم والرقي، مثل رحلة مصطفى سعيد (بطل الطيب صالح)،
ولكنها مغامرة قام بها شاب قبل التحدي من أحد أصدقائه، ومن خلال تلك الرحلة كتبت كل شيء عن
السودان، أرضه، ناسه، طقوسه، عاداته الجميلة والسيئة، بساطة أهله، سلوك المستعمر، ولعل النهاية
أيضا صادمة ولا يتوقعها الكثيرون.

*تستفيد من حس الفكاهة والسخرية في أعمالك الروائية فمعظمها مفعم بسخرية كبيرة، كما تقول، كما
في: “العطر الفرنسي” و”زحف النمل”، هل هي الكوميديا السوداء، أم هو تجلٍّ لإحساس بمرارة الواقع، أم
وسيلة لشد انتباه القارئ؟
– كتابتي للنصوص ليست متعمدة، أنا أكتب النص حين أعثر على بداية أعتبرها جديرة، وأفاجأ بأن النص
يقودني، فتأتي أحيانا تلك السخرية، كما في “صائد اليرقات” و”زحف النمل”، كل نص يحمل سمته، سواء
أكانت جديدة مفرطة كما في “مهر الصياح” أو سخرية مسيطرة كما في “زحف النمل”.

ولا أنكر أن القارئ شدته “صائد اليرقات” و”زحف النمل” و”العطر الفرنسي” أكثر، لكني لا أتعمد
بالفعل، وأعتقد أن كل نص مهما كانت طريقة كتابته يجد قارئه في النهاية.

*هل ترى أن المتعة شرط أساسي في أي عمل أدبي؟
– بالنسبة إليّ نعم. أهم شيء أسعى للانتباه إليه هو إحساسي بالمتعة أثناء الكتابة، أو عدم إحساسي
بها، وبالتالي نجاح النص أثناء كتابته أو عدم نجاحه.
متعة الكاتب أثناء كتابة نصه تنتقل إلى القارئ، وأنا كقارئ أتجاوب مع النص الذي يمتعني، وهناك
أعمال كبيرة ومهمة لكتاب لم أستمتع بها وتركتها، أو فلأقل مللت منها، ولم أستطع إكمالها. المتعة مهمة
لي ككاتب وقارئ.

*كتبت روايتك الأولى “كرمكول”، ودرت بها على الناشرين، حتى نشرها لك الشاعر الراحل كمال عبد الحليم
في دار الغد التي كان يملكها، ودائما تتذكر ساعة الرولكس الغالية التي رهنتها لتدفع كلفة النشر،
نجحت “كرمكول” وقدمتك للقراء بشكل جيد. أين هي ساعة الرولكس اليوم؟
– سؤال لطيف، لقد استمرت معي ساعة الرولكس زمنا بعد ذلك، وسافرت بها إلى قطر عام 1993 لأبحث عن
عمل، وظللت مدة ستة أشهر أنتظر أن يتم تعييني طبيبا في أحد المستشفيات، ولم يكن لي مورد سوى تلك
الساعة الغالية. وقد شعرت بالأسى وأنا أعرضها للبيع في أحد محلات الساعات، وقيمتها ثلاثة آلاف دولار
كانت كافية حتى أستقر. سلمتها للمحل وندمت بعد ذلك، لأن تعييني تم بعد بيعها بأسبوع واحد، وعزيت
نفسي بأنها أدّت واجبها كاملا.

*يؤكدون أن أهم استعمالات الإنترنت دمقرَطة الثقافة، مع أن ثمة حربا عالمية بين قوى كبرى تفعل كل شيء
لخنق كلّ شيء، وتتبنّى نفس الذرائع لحبس كل مبادرة. كيف تنظر إلى دمقرطة الثقافة عبر الانترنت؟
– أؤمن بذلك إلى حد ما، الإنترنت أتاحت للكل أن يفعل كل ما يخطر بباله، ولن تنجح أي قوى خفية في
الحد من ذلك، كثير من المدونات نجحت وتحولت محتوياتها إلى كتب، وما زال الناس ينشئون الصفحات ويكتبون
فيها كل ما يخطر على بالهم، وإن كان ذلك قد أدى في نهاية الأمر إلى ظهور كتابات موهومة، الكل يتوهم
شاعريته أو أنه يكتب شيئا ذا جدوى.

*الحرية المطلقة تعادل الجريمة، كما قال هيغل، فالحرّية الممكنة الآن هي حريّة المعرفة والمقاومة والتمرّد
والصراع ضد الاستبداد. هل توجد على الأرض حرية بهذا المعنى؟ هل الحرية نسبية؟
– الحرية دائما نسبية، ولا توجد حرية كاملة، حتى في البلاد التي تنادي بها بعيدا عن الأعراف، الإنسان
حر في أن يكتب ويقاوم، ويخترع الطرق التي يظنها صالحة لمشي قدميه، لكنه ليس حرا في تخطيه لحرية الآخرين،
بمعنى أن يتوقف تماما عن الحرية حين تكون تكبيلا لآخرين. تلك الفتاة التي تعرت مثلا ونشرت صورها بدعوى
أنها حرة، لكن في المقابل كيف سيفسر الآخرون حريتها؟ كيف ستعامل داخل تلك الحرية التي مارستها؟
الموضوع يطول.

* يجب أن يكون لك أسلوب خاص لتكتب، هل تعمل على الأفكار أم على الأسلوب؟ أيهما أكثر أهمية؟
– الأفكار والأسلوب معا.. أسلوبي انتهيت من ترسيخه منذ زمن، لكن الجديد هو الأفكار، كل نص لي يحمل
فكرة ما، يسعى لترسيخها عبر الأسلوب الراسخ، لا أكرر نفسي مطلقا، ولا أتعرض لفكرة تعرضت لها قبلا،
ولذلك تجدين كل رواياتي تحمل جديدا، هذا لا يميزني وحدي ولكن الكثير من الزملاء يسيرون على نفس
النهج.

*يتطرق الفيلسوف رينيه جيرار في كتاب له إلى الأحداث الأكثر سخونة في العالم اليوم، ومنها ظاهرة
التطرف الديني واستعمال العنف ويفسر ذلك بأنه نابع من أسباب كثيرة جيوسياسية ودينية واقتصادية
وإنسانية، إنه يعزوه إلى الرغبة في ما يرغبه الآخر الأمر الذي يحوّل البشر إلى متنافسين، فيولد العنف
وينتج عن العنف الإرهاب الذي يهدد المجتمعات البشرية بالدمار والخراب. هل هي رغبة الأول في ما يملك
الآخر فقط؟
– لا، التطرف في كل شيء وليد دوافع محددة، تولده وتحوله إلى نهج، المسألة في البداية هي فلسفة العقل
البشري نفسه واستعداده لتقبل التطرف أو عدم تقبله، هناك أشخاص يتعاملون مع الحياة برقة شديدة،
وهؤلاء لن يتطرفوا في أي زمن، وهناك من يتعاملون بعنف حتى داخل أسرهم وهؤلاء يمكن أن يتطرفوا في أي
يوم، ولا أعتقد أن ثمة جهودا ستنجح في محو الاعتقاد البشري أبدا، في كل زمن سيخرج متطرفون دينيون
وسياسيون واجتماعيون، يحاولون فرض قوانينهم.

*تقول: “في العالم الثالث، حيث الحقوق المشروعة ترف مستحيل”، إذن كيف ومتى نبني عالما مختلفا، وسط كل
التشابكات السياسية والثقافية والدينية في مجتمعات هذا العالم الثالث؟
– أقول بكل أسف إن ذلك لن يحدث، لقد صنف العالم الثالث أو وجد لتكون فيه الحقوق المشروعة ترفا
مستحيلا، نحن بحاجة لمئات السنين كي ننهض، وأول شيء نحتاجه هو التلهف لتلقي المعرفة.

*من أهم أهداف المثقف أو الكاتب أن يتفاعل مع قضايا وطنه ومجتمعه، من هذا المنطلق كتبت أيضا
رواية اسمها “تعاطف” صدرت منذ فترة وجيزة، فيها تحدثت عن الثورات العربية التي تجري الآن في الوطن
العربي. بعيدا عن الرواية كيف تقيّم (الربيع العربي)؟
– الثورات العربية التي اصطلح على تسميتها الربيع العربي خطوة هامة لترسيخ واقع سياسي ومجتمعي
جديد في بلاد كانت محكومة بقبضات حديدية، إنها صياح المهمشين الذي وصل أخيرا، لكن بالمقابل علينا
الحصول على مكاسب، والحفاظ عليها، ليس إنهاء حكم دكتاتوري كفاية للتهليل، ولكن كيف نعيش بعد ذلك؟
إنها دروس تحتاج إلى فن وحكمة لتلقيها، وربما يأتي يوم نفخر فيه بحق أننا صنعنا ربيعا مدهشا.


شاهدي أيضاً :



تعليقات الفيسبوك