الثورة في خلاف مع قصيدة النثر

منوعات
28.6K
0

الثورة في خلاف مع قصيدة النثر

في بلادنا الفقيرة أصبح الشعر مهنة الأغنياء، خاصة إذا كان قصيدة النثر، لأنها الفن الذي يعتبره
الجمهور زائداً عن الحاجة، فن ينتمي إلى الرفاهية، مثله مثل الأوبرا، رغم أنه لا يكلفهم أكثر من
السماع إليه، ولا يحتاج في كتابته غير أن يكون المرء صادقاً مع نفسه فيما يكتب، فقصيدة النثر غير
معنية كما يعلم الجميع بحليات الوزن أو القافية، غير معنية بمحسنات البديع أو بلاغيات اللغة، هي
معنية فقط بالصدق الشديد مع الذات في القول، وطرح ما تراه، ولا تسعى إلى الإجماع، لأنها ضده بوصفه

فعلاً غير إنساني ولا منطقي.

في بلادنا أن تكون شاعر قصيدة نثر يعني أنك من المهمشين، من الجماعات السرية التي تعمل في الظلام،
ولسنوات طويلة كان نقاد التفعيلة والعمودي يدرجون أبناء هذا التيار تحت قائمة الشواذ والعملاء
والمخبربين، لسنوات طويلة كان التعامل معهم يكون على أساس الخوف والرفض والنبذ، لكن أبناء هذا
التيار ولأول مرة في تاريخهم الممتد منذ ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي استطاعوا أن يقيموا
مؤتمراً خاصاً بهم عام 2009، ثم مؤتمرين متنازعين عام 2010، وبعيداً عن الخلاف أو النزاع فقد تمكنوا من
لفت الأنظار إليهم، تمكنوا من شق عصا الطاعة للنظام القديم ممثلاً في رجاله ولجنته للشعر ووزارته
للثقافة.

كان هذا قبل أن يشق الشعب المصري كله عصا الطاعة ويسقط النظام ككل، لكن الثورة بطبيعتها
الرنانة لم تكن على اتفاق مع قصيدة النثر بطبيعتها الهادئة، بتفاصيلها البسيطة الرقيقة، الثورة
تريد أبواقا عالية، تريد بلاغيات رنانة، وخطابات عالية مسموعة، الثورة تريد حناجر مشرعة إلى
الفضاء، فسقطت قصيدة النثر وضاعت الجهود التي بذلت لعامين سدى، سكت صوت النثر وانطلق من جديد صوت
الجماهير المتعطشة للقوافي والمحسنات والبلاغ، حتى العمودي والتفعيلي أيضاً سقطوا لصالح نماذج أكثر
جماهيرية، فظهرت بقوة قصيدة العامية، واجترارها للغنائيات والقوافي التي تدغدغ مشاعر الناس.

هكذا تراجع الشعر ككل، تراجعت كل الأشكال ذات الطبيعة الفنية الراقية، وعادت إلى السطح أشكال
العمودي والتفعيلي والعامية في أردأ حالاتها، هكذا رفعت الثورة من صوت السياسة والخطابة وقتلت
الفن، ليس لأن الثورة في عداء مع الفن، ولكن لأن الفنون الراقية لا تحيى في لحظات الضجيج واللغط،
الفنون تحتاج إلى نوع من التأمل لإعمال الفكر والخيال، والثورة في أتونها لا تنتبه إلى ذلك.

الثورة صراع بين قديم وجديد، بين قوي وقوي آخر، والثورة تمهد لدولة ودستور وعالم جديد، وربما لفنون
أخرى، أو على الأقل لأطروحات جديدة في الفنون المعروفة، فلابد للفنون أن تكون على قدم وساق مع
اللحظات الإنسانية، لابد أن تشهد نوعاً من التغير بما يتسق مع طبائع الناس وأمزجتهم، وهو ما لم
يتكشف بعد، لأن مجتمعات الربيع العربي مازالت في مراحلها الانتقالية، في مراحل فوضاها وعصور ضعفها،
ومن ثم فكل الفنون في حالات انتظار، وربما مازال أصحابها يفكرون ويتأملون ويبحثون عن الآلية الأفضل
للتعبير عن همومهم في لحظة جديدة على أنفسهم، وهو ما يفعله الآن شعراء قصيدة النثر، وأنا واحد
منهم.

مقطع من قصيدة “رجل الجليد وسيدته”:

“أنت الآن يا صاحبي
تائه بين الجليد والضباب
مصلوب على قنينة
تشبه بلداً في ساعة المخاض
لا ترى أياً من النخيل المحطم على معصميك

من أجل أن تمتع امرأة قايضتك بلاداً بخارطة
تتأرجح كبندول على صدرك
في انتظار قيامة

لم تعد مؤهلاً لحضورها.”
أنت تخشى الخروج من بيت رفيقتك الجميلة
كي لا تعوي الكلاب على قدميك المغسولتين بالويسكي
وعرق البلح الرديء
وتمضي الليل مهرولاً

من بار إلى حانة
كأي المناضلين الذين أحرقوا سفنهم
وجلسوا في انتظار قافلة
تمدهم بجلود من سفكوا دماء آبائهم..”


شاهدي أيضاً :



تعليقات الفيسبوك